تيزنيت تعبئ جهودها لمواجهة الهدر المدرسي: بين تشخيص الواقع ورهان التنزيل الفعلي.

تيزنيت تعبئ جهودها لمواجهة الهدر المدرسي: بين تشخيص الواقع ورهان التنزيل الفعلي.
متابعة مجلة 24

في سياق تزايد القلق بشأن ظاهرة الهدر المدرسي، احتضن مقر عمالة إقليم تيزنيت، صباح يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026، اجتماع اللجنة الإقليمية للتعليم، برئاسة الكاتب العام للعمالة وبحضور مختلف المتدخلين المؤسساتيين والاجتماعيين. اجتماع لم يكتف بعرض الأرقام والمعطيات، بل سعى إلى بلورة مقاربة تشاركية قادرة على الانتقال من التشخيص إلى الفعل.

تشخيص يضع الظاهرة تحت المجهر

العرض الذي قدمه المدير الإقليمي للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين كشف عن معطيات محينة تبرز حجم التحدي، سواء من حيث عدد المنقطعين عن الدراسة أو الأطفال غير الملتحقين بالمؤسسات التعليمية. ورغم أن هذه الأرقام تعكس مجهودات الرصد والتتبع، فإنها في الآن ذاته تشير إلى أن الظاهرة ما تزال بنيوية، ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة.

تحليل هذه المعطيات يبرز أن الهدر المدرسي لم يعد مجرد انقطاع فردي، بل أصبح مؤشرا على اختلالات أعمق، تشمل ضعف جاذبية المدرسة، إكراهات الوسط القروي، والهشاشة الاجتماعية التي تدفع بعض الأسر إلى تفضيل العمل المبكر لأبنائها على مواصلة الدراسة.

النقاش الذي أعقب العرض عكس وعيا جماعيا بخطورة الظاهرة، حيث شدد المتدخلون على ضرورة تجاوز المقاربات التقليدية القائمة على تدخل قطاعي محدود، نحو اعتماد رؤية مندمجة تشرك مختلف الفاعلين: السلطات المحلية، الجماعات الترابية، المصالح الخارجية، والمجتمع المدني.

هذا التوجه يعكس تحولا مهما في تدبير الملف، إذ لم يعد التعليم مسؤولية المدرسة وحدها، بل أصبح قضية مجتمعية تستدعي تعبئة شاملة، خاصة في ما يتعلق بالتحسيس بأهمية التمدرس داخل الأسر، التي تشكل الحلقة الحاسمة في قرار استمرار الأبناء في الدراسة أو الانقطاع عنها.

وقد أكدت السلطات الإقليمية على الجهود المبذولة لتحسين شروط التمدرس، من خلال تأهيل الداخليات ودور الطالب والطالبة، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات، وتعزيز النقل المدرسي وربط المناطق النائية بالشبكة الطرقية. وهي إجراءات تندرج ضمن سياسة تقليص الفوارق المجالية.

غير أن التجارب الميدانية تظهر أن تحسين العرض المدرسي، رغم أهميته، لا يكفي وحده للحد من الهدر المدرسي، ما لم يواكبه عمل نوعي على مستوى الدعم الاجتماعي والتأطير التربوي، إضافة إلى تطوير مناهج تعليمية أكثر ارتباطاً بواقع التلاميذ وانتظاراتهم.

وهناك خطة استعجالية… ورهان الزمن لمصادقة اللجنة على برنامج عمل مستعجل لحصر لوائح المنقطعين وغير الملتحقين تمثل خطوة عملية نحو التدخل الميداني المباشر. ويكتسي هذا الإجراء أهمية خاصة، لأنه ينقل المعالجة من مستوى الإحصاء إلى مستوى التواصل الفردي مع الأسر وفهم الأسباب الحقيقية للانقطاع.

كما أن تحديد أجل شهر لموافاة اللجنة بنتائج التدخل يعكس إرادة في إرساء نوع من التتبع والمساءلة، وهو عنصر غالبا ما يغيب في مثل هذه البرامج.

بين الإرادة والتحدي

رغم وضوح الرؤية وتعدد المتدخلين، يظل التحدي الأكبر هو ضمان استمرارية هذه الجهود وتحويلها إلى أثر ملموس على أرض الواقع. فالهدر المدرسي ليس ظاهرة ظرفية يمكن القضاء عليها بإجراءات قصيرة المدى، بل هو مسار يتطلب نفسا طويلا، وتقييما دوريا للسياسات المعتمدة.

في المحصلة، يظهر اجتماع تيزنيت أن هناك وعيا متزايدا بخطورة الظاهرة ورغبة حقيقية في معالجتها، غير أن النجاح سيظل رهينا بمدى القدرة على التنسيق الفعلي بين مختلف الشركاء، وعلى جعل المدرسة فضاء جاذبا يضمن للتلميذ ليس فقط التمدرس، بل الأمل في مستقبل أفضل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *