المنظمة الوطنية للحماية الإلكترونية تجرّ هشام جيراندو ومن معه إلى المساءلة القضائية بشكاية ثقيلة أمام رئاسة النيابة العامة…
في خطوة تعكس تنامي وعي المجتمع المدني المغربي بخطورة الجرائم الإلكترونية، تقدمت المنظمة الوطنية للحماية الإلكترونية بشكاية رسمية إلى رئاسة النيابة العامة، تستهدف المدعو هشام جيراندو، إلى جانب كل من قد يكشف عنه البحث من مساهمين أو مشاركين، وذلك على خلفية اتهامات خطيرة تتعلق بتكوين عصابة إجرامية، والتشهير، والابتزاز، ونشر أخبار زائفة، إضافة إلى المس بالحياة الخاصة للأفراد والإخلال بالنظام العام عبر الوسائط الرقمية.
هذه الشكاية، التي وُضعت بتاريخ 24 مارس 2026، تأتي في إطار الدور الدستوري الذي تضطلع به المنظمة، والرامي إلى حماية الأمن الرقمي وصون هيبة المؤسسات، في ظل تصاعد مقلق لظاهرة استغلال الفضاء الرقمي في الإساءة للأفراد والمؤسسات على حد سواء.
ووفق ما ورد في الشكاية، فإن المعطيات التي توصلت بها المنظمة من خلال الرصد والمتابعة، تشير إلى أن المعني بالأمر دأب بشكل ممنهج على نشر محتويات تتضمن اتهامات خطيرة دون سند قانوني، إلى جانب ترويج أخبار غير دقيقة، واستهداف الحياة الخاصة للأشخاص، مع استعمال أساليب ضغط وابتزاز في مواجهة بعض الضحايا.
اللافت في الشكاية ليس فقط طبيعة الأفعال المنسوبة، بل توصيفها القانوني، حيث اعتبرت المنظمة أن هذه الممارسات لم تعد مجرد تجاوزات معزولة، بل أضحت نمطاً إجرامياً منظماً، يرجح وجود تنسيق بين عدة أطراف، ما قد يرقى إلى مستوى تكوين عصابة إجرامية وفق مقتضيات القانون الجنائي المغربي.
كما استندت الشكاية إلى ترسانة قانونية متعددة، تشمل مقتضيات القانون الجنائي، وقانون الصحافة والنشر، وكذا القانون المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، في تأكيد على شمولية الأفعال المرتكبة وخطورتها.
وفي تصريح رسمي، أكد حمزة تبت، الرئيس الوطني للمنظمة، أن هذه الخطوة تأتي في إطار التزام ثابت بمحاربة الجريمة الإلكترونية، مشدداً على أن “التشهير والابتزاز ونشر الأخبار الزائفة لم تعد مجرد انحرافات فردية، بل تحولت إلى تهديد حقيقي للأمن الرقمي والسلم الاجتماعي”.
وأضاف أن المنظمة لن تتهاون في حماية المواطنين، وستواصل أداء دورها القانوني والتوعوي بكل مسؤولية، داعياً الجهات المختصة إلى فتح تحقيق معمق وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة.
يُعرف هشام جيراندو بنشاطه عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يقدم محتوى يثير الجدل، ويعتمد في جزء منه على تناول قضايا وشخصيات عمومية بأسلوب حاد، وهو ما جعله محط انتقادات متكررة من طرف متابعين وفاعلين، خاصة فيما يتعلق بدقة المعطيات المنشورة واحترام الحياة الخاصة.
ورغم اختلاف الآراء حوله، بين من يعتبره “صوتاً جريئاً” ومن يراه “مصدراً للمحتوى المثير للفتنة”، فإن الشكاية الحالية تضعه أمام مساءلة قانونية محتملة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.
القضية، في عمقها، تتجاوز شخصاً بعينه، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول دور المجتمع المدني في حماية الفضاء الرقمي الوطني. فالدفاع عن الوطن لم يعد مقتصراً على الأدوار التقليدية، بل أصبح يشمل أيضاً التصدي للحروب الرقمية، وحماية المعطيات، وصون سمعة المؤسسات.
وفي هذا السياق، يبرز دور المنظمات الحقوقية الجادة، التي لا تكتفي بالدفاع عن الحقوق الفردية، بل تنخرط أيضاً في حماية الأمن العام، والتصدي لكل ما من شأنه زعزعة الاستقرار أو المساس بثقة المواطنين في مؤسساتهم.
كما أن دعم عمل الأجهزة الأمنية والقضائية، والتكامل معها، يظل عنصراً أساسياً في مواجهة هذا النوع من الجرائم المعقدة، التي تتخذ من التكنولوجيا وسيلة لها، وتستهدف في العمق تماسك المجتمع.
إن الشكاية المعروضة اليوم أمام أنظار النيابة العامة تشكل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المنظومة القانونية على مواكبة التحولات الرقمية، والتصدي للانحرافات التي قد تحول الفضاء الافتراضي إلى ساحة للفوضى والابتزاز.
وبين حرية التعبير التي يكفلها الدستور، وضرورة احترام القانون وصون كرامة الأفراد، يبقى التوازن مسؤولية جماعية، تبدأ من وعي المستخدم، ولا تنتهي عند تدخل المؤسسات.
في انتظار نتائج التحقيق، تبقى الرسالة واضحة: لا أحد فوق القانون، والفضاء الرقمي، مهما اتسع، يظل خاضعاً لسيادة الدولة وحماية مؤسساتها.


