خبراء ومتخصصون يناقشون المناطق الرطبة بالمغرب بين التحديات والآفاق
في إطار تدعيم المعارف لدى طلبة ماستر تدريس العلوم الاجتماعية والتنمية، بزمنيه العادي والميسر، نظم هذا الأخير لقاء علميا عبر منصة Google meet، يوم الثلاثاء 13 فبراير الجاري، ابتداء من الساعة الثامنة مساء، حول موضوع ’’ المناطق الرطبة بالمغرب بين التحديات والآفاق’’، وقد أطر هذا اللقاء الذي سيره باقتدار الدكتور محمد قفصي منسق الماستر المذكور، ثلة من الأساتذة والمتخصصين والخبراء في المجال البيئي، وهم الدكتور محمد قفصي والدكتور عبد العزيز فعراس والدكتور عادل العلالي
والأستاذ بنرامل مصطفى والأستاذ حميد رشيل.
افتتح الدكتور محمد قفصي هذا اللقاء بكلمة افتتاحية رحب من خلالها بالجميع، بدء بمؤطري هذا اللقاء، وكذا مختلف الطلبة الحاضرين بهذا اللقاء العلمي، مقدما شكرا خاصا لعميد الكلية الأستاذ عبد اللطيف كيداي وطاقمه الإداري والتربوي لما يبدلونه من مجهودات من أجل إنجاح كل الندوات والتظاهرات الثقافية التي تشهدها الكلية.
كما أبرز أهمية هذا اللقاء خاصة في ظل ما أضحى يعيشه المغرب من ندرة في الموارد المائية، وتراجع في أعداد المناطق الرطبة التي كانت تشكل مناطق غنى للطيور والانسان.
موضحا أن هذا اللقاء يشكل محطة مهمة من محطات التوعية والتحسيس لحماية البيئة التي تتميز بمجموعة من السمات البيولوجية العالية، وبالتنوع البيولوجي والجنسي. مبرزا أن هذا اللقاء يأتي لمناقشة وضعية المناطق الرطبة والتحديات التي تواجهها، خاصة تلك المرتبطة بالطبيعة والانسان، فقد تبين من خلال التجارب والتقارير أن أكبر مدمر للبيئة هو الانسان، فتحول الشك في دور الانسان كمدمر لمكونات الطبيعة إلى يقين.
وفي مداخلة له ركز الدكتور عبد العزيز فعراس على ثلاث محاور، بدء بالحديث عن الجهاز المفاهيمي المؤطر لهذا الموضوع، لما له من أهمية بارزة في فهمه ومعالجته، حيث قدم عدة تعاريف لهذا المفهوم أبرزها، التعريف المقدم باتفاقية رامسار الهادفة إلى الحفاظ على المناطق الرطبة، والحد من فقدان الأراضي الرطبة وتنمية دورها الاقتصادي، الثقافي، العلمي وقيمتها الترفيهية. حيث عرف المناطق الرطبة بكونها المناطق التي تغطيها المستنقعات، ثم تطرق كذلك إلى التعريف الوارد بالوثيقة الصادرة عن المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر باعتبارها وحدة ومساحة مغطاة بالمياه.
ثم انتقل للحديث عن المحور الثاني الذي عرض وشخص من خلاله واقع هذه المنظومة، مبرزا أنها عرفت تدهورا كبيرا بسبب عوامل طبيعية في مقدمتها عامل المناخ وكذلك السلوك البشري مثل الضغط على الموارد المائية والزحف الحضري والتلوث.
كما تواجه هذه المناطق العديد من التحديات، في مقدمتها ضعف التواصل وعدم انخراط الساكنة والمسؤولين المحليين، في الإجراءات الهادفة للحد من تراجع أعداد ومساحة المناطق الرطبة، وكذلك غياب استراتيجية وطنية للتربية على حماية البيئة والتنوع البيولوجي.
أما فيما يخص المحور الثالث فقد قدم الدكتور فعراس بعض المقترحات الهادفة إلى حماية هذه المناطق، مصرا على أهمية ودور الفاعل المدني في حماية البيئة، من خلال حملات التوعية والتحسيس عبر التعريف بأهمية هذه المناطق وأدوارها الايكولوجية، كما أوضح أهمية ودور المسؤولين المحليين في تقوية قدرات الفاعل المدني داخل المخططات الترابية، مركزا على الحاجة الى تكثيف البحوث العلمية وتتبعها وتشجيع الباحثين، لإنجاز بحوث ودراسات حول هذا الموضوع.
أما فيما يخص المقترحات التربوية فقد اقترح تنظيم خرجات دراسية كاستراتيجية تربوية لتحسيس المتعلمين بأهمية حماية هذه المناطق، وهو المقترح الذي سبق أن صاغه الدكتور فعراس علىى شكل مقال كدليل لتفعيل هذه الاستراتيجية، ويركز هذا الدليل على المستويات المعرفية والوجدانية والحسحركية، مؤكدا على دور المدرس في تربية الناشئة على التشبع بهذه القيم الرامية إلى حماية المجالات الرطبة، وتمكينه من قدرات تجعله قادرا على ترجمة ما تعلمه بالمؤسسة على أرض الواقع.
أما الأستاذ بنرامل مصطفى فقد تناول أهمية المناطق الرطبة في علاقتها بالتنوع البيولوجي والأنشطة البشرية، من خلال الجوانب القانونية والتشريعية، موضحا بعض التحديات التي تعيشها المناطق الرطبة في ظل التغيرات المناخية في علاقة بالإجهاد المائي الذي أصبحنا نعيشه، وذلك بناء على مجموعة من الدراسات التي أنجزها، والزيارات التي قام بها لعدد من المناطق الرطبة.
وفي هذا الصدد أبرز الأستاذ بنرامل أن ناقوس الخطر قد دق سنة 1971 بمؤتمر دولي بإيران رامسار، حيث اجتمع ممثلي دول العالم، الذين أكدوا أن جل الأراضي التي كانت رطبة، طالها إما التجفيف أو توسع المدن، فهذه الأراضي التي كانت تستقبل الآلاف من الطيور المهاجرة، لم تعد كذلك بسبب تحول هاته المناطق، وهكذا فقد كانت سنة 1971 نقطة مفصلية، أعادت الروح إلى بعض المناطق الرطبة مثل محمية سيدي بوغابة ومحمية الفوارات والمرجة الزرقاء.
وفي معرض تقديمه لبعض الاحصائيات أبرز الأستاذ بنرامل أن المغرب يتوفر على 38 منطقة رطبة، وقد تمكن المجتمع المدني بفصل النظم الحمائية من مواجهة لوبي السياحة وحماية بعض المناطق منها محمة النحيلة بخنيفيس. وهنا يطرح السؤال هل هذه المجهودات كافية؟ يجيب الأستاذ بنرامل: طبعا لا.
وفي نفس السياق ذكر بالمجهودات التي تقوم بها جمعية المنارات وأطرها في سبيل حماية المناطق الرطبة، عبر أنشطة توعوية وتحسيسية ودراسات وأبحاث.
لقد أوضح الأستاذ بنرامل أن هناك مفهوم جديد، ظهر مؤخرا، حيث اشتغل عليه المجتمع المدني وهو مفهوم المدينة الرطبة، ويقصد بها كل مدينة تجاورها منطقة رطبة، حيث يتطلب الأمر الاهتمام بها ورصد لها موارد لحمايها والاستفادة من جماليتها، مطالبا بضرورة إدراج حماية المناطق الرطبة وحماية التنوع البيولوجي ضمن برنامج عمل الجماعة والسياسات العمومية، وارتباطا بنفس الموضوع، أبرز المتدخل أن المغرب يتوفر على أول مدينة رطبة تم تصنيفها سنة 2022 وهي مدينة إفران، كما تقدمت مدينة المهدية بطلب تصنيفها كمدينة رطبة لقربها من محمية سيدي بوغابة.
أما الأستاذ حميد رشيل فقد ركز في مداخلته التي حملت عنوان ’’ اليوم العالمي للمناطق الرطبة حتمية حماية وتأهيل المناطق الرطبة’’ على المخاطر التي تهدد المناطق الرطبة وخاصة مرجة الفوارات، التي تضم أصنافا متعددة من الحيوانات والنباتات، فالمناطق الرطبة بتنوعها، تعد رافعة أساسية للتنمية المستدامة، وعنصرا أساسيا للحياة من خلال إنتاجها للأكسجين، فهي مجال يمكن استغلالها من أجل توفير فرص للشغل على حساب مواردها الطبيعية، كما تعد مناطق للترفيه عن النفس.
كما أوضح أن مرجة الفوارات تعد من أهم المناطق الرطبة التابعة للقنيطرة، التي تتميز بمجموعة من المميزات الطبيعية، منها توفير ظروفا ملائمة للطيور والنباتات، حيث تضم حوالي 133 صنف نباتي و 66 نوع من الطيور، وفي سنة 1996 صنفت كنقطة ايكولوجية وحظيت بشرف الانضمام للائحة رامسار، بعد استجابتها لمعايير الانضمام لرامسار.
كما دعا إلى التفكير في إنشاء متحف للمناطق الرطبة يضم البحوث والتقارير التي أنجزت بهذه المناطق، كما يضم الأصناف النباتية والحيوانية التي تضمها هذه المناطق، والتفكير كذلك في التخفيف من آثار هذ المناطق والحيلولة دون هجرة ساكنها للتخفيف مما يسمى بالهجرة الايكولوجية.
في حين انطلق الأستاذ عادل العلالي في مداخلته من سؤالين مفادهما، أي دور للمدرسة والجامعة بشكل عام في حماية المناطق الرطبة؟ وأي دور للتربية في حماية التنوع البيولوجي؟
وللإجابة على هذين التساؤلين، انطلق من تعريف التربية الجغرافية، باعتبارها علم يهتم بإكساب الطالب مهارة تحليل الظواهر المجالية، انطلاقا من دراسة الجوانب الملموسة والظاهرة لمعرفة العلاقة بين الكيانات الجغرافية والكيانات البشرية.
فهي تربية على التفكير المجالي واستعماله بشكل أفضل، وهي تربية على المواطنة واتخاذ القرارات المناسبة. كما عرج على أهم أهداف التربية الجغرافية.
فالجغرافي حسب الأستاذ عبد العالي، يساهم وبشكل جلي في إنشاء أدوات تساهم في حماية التنويع الايكولوجي، من خلال تدريس التنوع البيولوجي بالتعليم الثانوي التأهيلي، كما تطرق للتدابير التربوية لحماية التنوع البيولوجي، مركزا على ثلاث مكونات، وهي: المكون المعرفي والمكون العاطفي والمكون السلوكي.
كما أكد على ضرورة التركيز على التنوع البيولوجي بمختلف المستويات الدراسية من أجل تكوين المتعلمين في الاتجاهات والمكونات الثلاث المعرفية والعاطفية والسلوكية، وتمكنيهم من الأدوات لحمايته من التدهور.
بعد ذلك فتح باب النقاش بين الحاضرين الذين أغنوا هذا اللقاء بمداخلاتهم وتساؤلات التي تنوعت بين الاكراهات التي تواجه المناطق الرطبة والتدابير الرامية إلى الحيلولة دون تراجع نسبة هاته الأراضي.

