موت اليسار

موت اليسار
مجلة 24 : هاشم أشهبار

لن نغوص بعيدا في تاريخ اليسار سوى تذكر ادّعائه الدفاع عن مصالح المحرومين ، في محاولة بسيطة لمقارنة بين الخطاب و الممارسة ، و هل فعلا يمكن تصنيف التجارب اليسارية حول العالم كونها تجارب ناجحة ؟؟؟

بعد سقوط جدار برلين و تفكك الإتحاد السوفياتي الذي انتهت معه الحرب الباردة ، باتت قوى اليسار في العالم أكثر ضعفا و تراجعا ، و رغم كل المحاولات من أجل بعث الفكر اليساري مرة أخرى , يبدو أن العالم قد قرر القطع مع رغم سمو أفكارها إلا أنها كانت تجارب فاشلة في التاريخ في نظر الكثيرين ، حيث لم تخلف لنا سوى المآسي و الدماء و الديكتاتورية ، و حري بالذكر ، أن التجارب اليسارية في العالم لم تعطينا سوى ديكتاتوريات عسكرية متوحشة ، ذبحت في شعوبها و أرهبتهم و عذبت و سجنت و جوعت كل من كان يعارضها ، و أعتقد أن التاريخ لن ينسى مجازر ستالين التي حصدت أكثر من 60 مليون قتيل، و لا مذبحتي تيانانمن و غوانغشي المروعتين للقائد الصيني ماوا تسي تونغ ، حيث تم أكل لحم المعارضين من طرف الحرس الأحمر و قتل أكثر من 130 مليون صيني في واحدة من أكبر الجرائم ضد الإنسانية على الإطلاق ، هذه الأحداث الدامية التي سميت بعد ذلك بالثورة الثقافية الصينية!!!

أما في رقعتنا العربية فقد امتد الفكر اليساري في كل أرجائها ، فظهرت أمثلة كثيرة لتجارب قامت باسم اليسار ، لكنها في حقيقتها مجرد انقلابات عسكرية لثلة من العسكر الجهلة الذين أفسدوا في الأرض فسادا عظيما ، في مصر مثلا صعد الضباط الأحرار في مصر بقيادة عبد الناصر الذي اعتقل و عذب و قتل الآلاف من شعبه ، طلبة و أساتذة ، مفكرون و أدباء و صحفيين ، حتى القضاة لم يسلموا من ظلمه بعد أن اتهمهم بمعارضة نظام حكمه ، و قد لا يتسع المجال لسرد كل جرائم هذا النظام الوحشي الذي أدخل بلاده في سراديب العبث و الفساد بسبب القرارات السياسية المتهورة ، كانت اابدايةعام 1956 إبان العدوان الثلاثي قبل أن ينتهي الأمر بحرب النكسة التي خسر فيها عبد الناصر الحرب مع اسرائيل ، هذه الخسارة المهينة التي ستبقى وصمة عار على جبين كل المصريين.

كما قامت تجارب عربية أخرى باسم اليسار أبرزها حزب البعث في سوريا و العراق ، اللذان خلفا بدورهما جرائم لا تحصى ، كمجزرة حماة التي دامت 27 يوما بقيادة حافظ الأسد ، و التي حسب تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان قد تجاوزت حصيلة الضحايا ال40,000 قتيل ، نفس المشهد رأيناه في العراق التي شهدت مجازر وحشية كمجزرة الدجيل و حملة الأنفال التي كانتا عبارة عن إبادات جماعية لقرى بأكملها خلفت وراءها دمارا شاملا و أكثر من 100000 قتيل نصفهم نساء و شباب دون سن 19.

كثيرة هي المآسي التي يحملها تاريخ اليسار في العالم ،
و أعتقد أنه من خلال هذه المقاربة الكرونولوجية البسيطة ، يتضح أن تجربة اليسار في معظمها كانت تجارب كارثية للغاية، و عكس كل تلك الشعارات الرنانة المدافعة عن الإنسان و الحرية ، كان القمع و الديكتاتورية هي اللغة الوحيدة لتلك الأنظمة اليساري الغاشمة ، ما ساهم في نهاية هذه التجارب و دخول العالم في ظل النظام العالمي الجديد و انتصار الفكر الديمقراطي الليبرالي الذي يمثله الغرب ، لتبقى التيارات اليسارية اليوم أشبه بظواهر صوتية تجر وراءها إرثا تاريخيا ثقيلا لا أعتقد أن العالم سوف يستطيع نسيانه بسهولة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *