سقوط كابل هزيمة أمريكا أم هزيمة المسلمين؟

سقوط كابل هزيمة أمريكا أم هزيمة المسلمين؟
مجلة 24 : محمد علوش

حبس العالم أنفاسه وصعق الأحرار عبر العالم وهم يرون سقوط كابل من جديد في يد طالبان بسرعة مثيرة للشكوك؟؟!!! فبعد إحتلال أمريكي لأفغانستان دام عقدين من الزمن يعود هذا البلد المنكوب إلى نقطة الصفر وكأن زمن الاحتلال مر على شعبه كأهل الكهف[ ] تغير العالم في كل شيئ تغيرا مهولا وفقط وحده الشعب الأفغاني الذي يجد نفسه اليوم كما بدأت محنته الأولى مع طالبان قبل عشرين عاما..الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان خطوة مريبة جدا ومن التسرع أو بالأحرى من الخطأ تفسيرها (كما يروج البعض) كتعبير عن هزيمة أمريكية مماثلة لهزيمة حرب الفيتنام المدوية..جواب بايدن عن هذا الجدال كان صارما وحازما : “لا وجه للمقارنة بين الانسحاب الأمريكي من فيتنام و الإنسحاب من أفغانستان” يقول بايدن..وبكل تأكيد أمريكا بلد ماكر جدا وخطير في وضع الاستراتيجيات الكبرى للتحكم في الصراع الدولي وتوجيهه إذ كان بإمكانه البقاء 20 سنة أخرى في أفغانستان وعدم السماح لطالبان بوضع الأفغان تحت مقصلة نظام الحركة المتطرف والمنبوذ عالميا كما حدث الأن لكن حسابات أمريكا (الجيو-سياسية) والاستراتيجية كانت وراء قرار الانسحاب وقد صرح وزير الخارجية الصيني بذلك بشكل واضح بعد ساعات من سقوط كابل[ ]طبعا هناك تكلفة إقتصادية لإستمرار هذا التواجد لكن أمريكا تدرك كل الشعاب المؤدية إلى ثروة حلفاءها الخليجيين لسداد فاتورات حروبها الوطنية..لذلك نعتقد أن موضوع إيران وحلفاءها(حزب الله تحديدا) وملفها النووي وصواريخها الطويلة المدى القادرة على بلوغ أهداف قلب “تل أبيب” و قريبة من القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا ومن دول الخليج بحكم الجغرافيا أحد الأسباب المهمة وراء هذا الإنسحاب..أمريكا بلد اذكى بكثير من ان لا يقرأ عواقب هذا الانسحاب على مصالحه الإستراتيجية في العالم والمنطقة والتي لا يسمح بالاقتراب منها تحت أي ظرف ومهما كانت التكلفة.. عندما قرر بوش الابن إحتلال أفغانستان(2001)والعراق (2003) فقد نفدت المهمة في سياق دولي مختلف تماما عن واقع الصراع القائم اليوم من أجل المصالح الأمريكية..لم يكن احتلال البلدين من أجل نشر الدموقراطية كما أعلنت الإدارة الأمريكية أثناء الحرب عليهما بل من أجل إسقاط صدام حسين ونظامه(حزب البعث) وإزاحة طالبان و حليفتها القاعدة عن حكم أفغانستان بعد هجمات11شتنبر المريبة..وهو ما أكدت عليه مستشارة الأمن القومي الأمريكي “كوندوليزا رايس” في حوار أجراه معها معهد “بروكينغ” الأمريكي “لم نذهب إلى العراق لتحقيق الديمقراطية بل من أجل الإطاحة بصدام حسين الذي كنا نظن أنه كان يعيد بناء أسلحة الدمار الشامل، وكنا نعرف أنه يشكل تهديدا في المنطقة” ولم نذهب إلى أفغانستان لتحقيق الديمقراطية، ولكن أطحنا بحركة طالبان لأنها أصبحت تشكل ملاذا أمنا لتنظيم القاعدة” طبعا هناك أسباب اقتصادية أخرى وراء إحتلال أفغانستان صمتت عنها رايس تتعلق بنفط بحر قزوين وقد رفضت طالبان عرض الإدارة الأمريكية بمروره عبر أفغانستان بعد 3 سنوات من المفاوضات الفاشلة لتحقيق إتفاق ومن المرجح أن يكون هذا الموضوع من النقط التي طرحت على طاولة التفاوض بين قائد المنطقة العسكرية الأمريكية الوسطى وقادة طالبان في الدوحة قبل أيام من تسليم مفاتيح كابول للتنظيم الذي لا زال مصنفا إرهابي حتى الأن من طرف الإدارة الأمريكية؟؟؟!!! وكذلك الأمر بالنسبة لتأمين تدفق جودة النفط العراقي على الاسواق الدولية.. كل هذه الأهداف حسمت لصالح أمريكا ولم يعد هناك لا صدام حسين ولا القاعدة ولا بن لادن ولابد ان تتغير شروط اللعبة وتنتقل إلى مراحل أعلى من السيطرة الأمريكية على العالم على نحو جديد وهو ما يحدث بالضبط الأن عبر بوابة أفغانستان نحو منطقة يفترض أنها محور متاعب أمريكا في المستقبل (روسيا والصين وإيران) من الواضح أن حكومات الدول التلاث انتبهت إلى إستراتيجية أمريكا الجديدة على حدودهما وسارعت الى التطبيع مرغمة مع هذا الوحش القادم.. حركة طالبان من المؤكد أنها الرابح الكبير على المدى القصير والمتوسط من صراع القوى العظمى على مناطق النفوذ في العالم لكن أفغانستان والمسلمين سيكونون الخاسر الأكبر في النهاية[ ] من جهة اخرى ما يحدث يجدر بنا تفسيره من خلال التمييز بين الفروقات المهمة في السياسة الخارجية للحزبين الجمهوري و الديمقراطي (السيطرة بالتدخل المباشر للجيش الأمريكي والسيطرة بقوة الخصم المؤدية إلى هزيمته).. إيران باتت قوة اقليمية فاعلة ومؤثرة جدا في ملفات حساسة للغاية في المنطقة مرتبطة بالمصالح الأمريكية وبأمن حليفها الإستراتيجي (إسرائيل) مستقبل الصراع في الشرق الأوسط يحركه تهديد وجودي لهذه المصالح من طرف إيران..لكن سياسة الحزب الديمقراطي تميل إلى عدم المواجهة العسكرية المباشرة (عكس الحزب الجمهوري) بالالتفاف على قوة الخصم وتوظيف التناقضات والصراعات الداخلية للدول المستهدفة و صولا الى خوض حروب بالوكالة (حروب الجيل الرابع مع إدارة أوباما ومحاولة تمكين تنظيمات الإسلام السياسي من سدة الحكم في العالم العربي بعد ما سمي بالربيع العربي[ ] وقد يكون العالم مقبل على شوط جديد من حروب بالوكالة مختلف تماما عن سابقه كما اظن عبر الأراضي الأفغانية بين السنة والشيعة هذه المرة..فمن اللافت أن تكون القوة العسكرية الضخمة والقوة النووية الصاعدة تمثلها دولة شيعية(ايران) في محيط من الأنظمة السنية حليفة لأمريكا وإسرائيل وهؤلاء جميعا بعد صفقة التطبيع “أبناء ابراهيم” أصبحوا فجأة يشعرون جميعا بنفس القلق والتهديد الوجودي الذي تشكله إيران!!! ومن المستبعد أن نرى مساحة جغرافية لدولة من دول الخليج الغنية والمستقرة حلبة لحرب نظامية مدمرة بين إيران وحلفاؤها في المنطقة وأمريكا وإسرائيل وحلفاؤها من”أهل السنة والجماعة” لذلك أرجح ان تكون الشرارة المذهبية لحرب برية بالوكالة لفائدة أمريكا لابد منها لحسم الصراع بين أبناء الدين الواحد (الإسلام) من أرض أفغانستان المنكوبة..أفغانستان بوجود طالبان كان على الدوام.

بلد مميز جدا في خدمة الإستراتيجيات الكبرى للإدارة الأمريكية وقد استخدمت أمريكا طالبان ببراعة في حرب استنزاف ضد الاتحاد السوفياتي بتمويل خليجي كما يعرف الجميع خلال عقد التمينينات وصولا إلى مرحلة جديدة من الصراع الدولي بعد سقوط هذا الإتحاد إتسمت ببياض ايديولوجي أو “نهاية التاريخ” بتعبير المفكر الأمريكي المجنس(فوكو ياما) ولم يفلت هذا التنظيم من قبضة المخابرات الأمريكية والخليجية الا بعد انتهاء المهمة الموكلة اليه ودخول العلاقة بين الطرفين لمرحلة فراغ انتهت بالتنظيم الإرهابي بعد مرحلة الجهاد الغبي ضد “الإلحاد” إلى إعادة التفكير في وجوده وظروف نشأته والصدام مع الغرب في النهاية.. وبسبب عجز طالبان عن الخروج من عباءة التنظيم الديني الجهادي وبناء دولة المؤسسات فقد كان من البديهي حدوث هجمات القاعدة في 11شتنبر في عقر دار راعي هذا التنظيم وولي نعمته..الخطير جدا في المشهد السياسي الجديد لعلاقة طالبان بالعالم يتمثل في أن تنظيمها اليوم ليس هو تنظيم أمس(طالبان بن لادن والقاعدة) طالبان اليوم جماعة دينية متطرفة تسعى لأن تصبح لها دولة بمباركة وتشجيع من أمريكا والغرب ودول الخليج[ ] مقابل تنازلات فكلورية حول حقوق النساء والأطفال واحترام الحق في الحياة.. الجميع وقف مندهشا من مواقف التنظيم المحينة من هذه القضايا وسطوه على تركة النظام السابق الإدارية والتنظيمية وهي إشارات مضللة بشكل واضح..يسارع الغرب إلى التطبيع مع هذا الكيان الإرهابي وهو يعرف أن يداه لازالت ملطخة بدماء الأبرياء في تفجير سوق شعبي في كابل مكتض بالمدنيين منذ أسابيع فقط!!!؟؟؟؟

واكثر من ذلك يعلن التنظيم مسئوليته عن تلك العمليات كما لو أن قتل المدنيين عنده عقيدة راسخة..أمريكا بلد مرعب (أتحدث عن السياسة الأمريكية طبعا) في حاجة إلى بؤرة إرهابية لخمسين سنة أخرى وساحة للقتال بين المسلمين باسم الدين (سنة- سنة/ شيعة سنة) لكن ما تجهله أمريكا (أو ربما ما تخطط له بنفس الخبت) أن مخاوف العالم من بطش طالبان قد تتعاضم مع مرور الوقت ليس ضد الأفغان وحقوق المرأة والأطفال في أفغانستان وحدهم بل ضد مبادئ حقوق الإنسان وضد الإنسان في كل مكان بعد إشتعال حرب أهلية جديدة موجهة من الخارج.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *