لا توقيع للأطراف إلا مرة واحدة: قراءة للمادة 199 من قانون 051.26 المتعلق بمهنة العدول.

لا توقيع للأطراف إلا مرة واحدة: قراءة للمادة 199 من قانون 051.26 المتعلق بمهنة العدول.
ذ.طارق القاسمي،الكاتب العام السابق للمجلس الجهوي لعدول استئنافية سطات.

إن الاكتفاء بتوقيع الأطراف على “مذكرة الحفظ” حصرياً، واستبعاد إلزامهم بالتوقيع على أصل العقد خلال هذه المرحلة الانتقالية، لا يُعد اجتهاداً عابراً، بل هو التجسيد الأوفى والتطبيق الأسمى لإرادة المشرع، متأسساً على مشروعية قطعية ترفع كل شك باليقين. فالمشرع الحكيم لم يعمد إلى النسخ المجرد للقانون القديم (16.03)، بل تدخل بقصدية واضحة جاعلاً من المادة 199 “صمام أمان” تشريعي محصن. لقد استثنت هذه المادة مقتضيات المادة 28، مبقية إياها سارية المفعول إلى حين صدور النص التنظيمي المرتقب. هذا الاستثناء ينطق بحكم قانوني قاطع مفاده أن مذكرة الحفظ تظل، بقوة القانون، الوعاء الشرعي الأوحد لتلقي الشهادات في الوقت الراهن.
ويتعمق هذا اليقين باستقراء الهندسة التشريعية لعملية التوثيق؛ فالمادة 28 تندرج صراحة في باب “تلقي الشهادة” لا باب “تحريرها”. ولما كان التوثيق مساراً يبدأ بالتلقي وينتهي بالتحرير، فإن استمرار أحكام التلقي بقوة المادة 199 يقتضي حتماً أن ينحصر توقيع الأطراف—باعتباره جوهر التلقي—في مذكرة الحفظ وحدها. وعليه، فإن مطالبة الأطراف بالتوقيع على أصل العقد تُعد قفزاً على مرحلة التحرير التي عُلِّقت آليتها المستحدثة، المتمثلة في “سجل البيانات”، لغياب النص التنظيمي. وتأسيساً على ذلك، تبرز حقيقة جوهرية تعزز هذا الطرح؛ إذ لا يجوز بأي حال من الأحوال إجبار الأطراف على التوقيع مرتين لإثبات التصرف ذاته (بمذكرة الحفظ أولاً، ثم بأصل العقد ثانياً). فهذه الازدواجية تفتقر لأي سند تشريعي، وتتنافى كلياً مع فلسفة المشرع الرامية إلى تيسير الإجراءات لا إثقال كاهل المتعاقدين بشكليات مكررة ومركبة؛ فإلزام الأطراف بتوقيعين متزامنين على وعائين مختلفين لنفس العقد هو خلط إجرائي يضرب في صميم مبدأ التدرج التشريعي ويفرغ الانتقال من محتواه.
وعلى هدي هذا التأصيل، تتهاوى كل التبريرات المفتعلة حول هاجس “البطلان” المنصوص عليه في المادة 62، والتي تشترط تذييل أصل العقد بتوقيعات الأطراف. فهذا الحكم التشريعي يظل “موقوف التنفيذ” ومُرجأً بقوة المادة 199، إذ يخاطب حصراً حقبة ما بعد صدور النص التنظيمي لسجل البيانات. ولا يستقيم منطقاً ولا قانوناً إعمال جزاء البطلان على آلية لم توجد بعد، ليبقى اقتصار التوقيع على المذكرة اليوم إجراءً محصناً تماماً من أي طعن. وتتجلى حكمة هذا الحذر التشريعي باستحضار الذاكرة التاريخية للتوثيق العدلي؛ فانتكاسة “مرحلة النظائر” (1983-1993)، التي ألغت التضمين بالسجلات واكتفت بترتيب النسخ وأثبتت فشلها الذريع في حماية المعاملات، جعلت المشرع يعيد فرض التضمين بصرامة سنة 2004. مستوعباً هذا الدرس القاسي، يرفض المشرع اليوم المغامرة بتهميش مذكرة الحفظ لصالح أصل العقد قبل الجاهزية المطلقة لسجل البيانات، مبقياً على المذكرة كحصن مادي رادع لأي خلل في الأمن التوثيقي.
ولم يترك التكريس المؤسساتي والقضائي مجالاً للتأويل، بل جاء ليحسم هذا النقاش بصفة نهائية عبر دورية المجلس الأعلى للسلطة القضائية (رقم 26/43 بتاريخ 22 أكتوبر 2026). فقد أكدت هذه الدورية دخول القانون 51.26 حيز التنفيذ، مع تشديدها على الاستثناء التشريعي الوارد في المادة 199. والأهم من ذلك، أقرت الدورية بتعليق العمل بسجل البيانات، موجهة بشكل ملزم إلى ضرورة الاستمرار في التلقي بمذكرة الحفظ كآلية بديلة ووحيدة. إن هذا التوجيه الصادر عن أعلى هيئة قضائية يمنح الممارسة التوثيقية الحالية مناعة لا تقبل الجدل، ويُسقط كل الذرائع المروجة لوهم البطلان. لتظل القاعدة القانونية في هذه المرحلة واضحة وحاسمة: “لا توقيع للأطراف إلا مرة واحدة على مذكرة الحفظ”، إلى أن يرى النص التنظيمي النور؛ وحينها فقط، تنتهي هذه الشرعية الاستثنائية، ليصبح التوقيع على أصل العقد التزاماً حتمياً تحت طائلة البطلان، إيذاناً باكتمال صرح التحديث الرقمي والمؤسساتي الذي ينشده القانون الجديد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *