مبادرة الحكم الذاتي كإطار مرجعي للحل السياسي في ضوء تقارير الأمين العام للأمم المنحدة
يشهد النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء دينامية دبلوماسية متجددة، عززها اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 لعام 2025 الذي أعاد إطلاق المفاوضات المباشرة بعد توقف دام سبع سنوات. في هذا السياق، تبرز الرؤية المغربية كمسار واقعي وحيد لإنهاء هذا النزاع، وهو ما تؤكده التقارير الأممية الحديثة التي تشير بوضوح إلى تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب. لقد انتقل المنتظم الدولي من المقاربات المتجاوزة إلى تبني رؤية واقعية تتجسد في مقترح الحكم الذاتي المغربي، والذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة صراحة بأنه يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق على أرض الواقع.
وقد أبانت الجولات التفاوضية الأخيرة في واشنطن ومدريد عن التزام المغرب الجاد بالتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول ، حيث بادر المغرب إلى تقديم مسودة نظام حكم ذاتي تفصيلية لتطوير مقترح عام 2007 وأبدى استعداده لترجمتها إلى واقع ملموس . وقد توالت المواقف الدولية الداعمة لهذا التوجه البناء، حيث عبرت أكثر من 130 دولة عن دعمها الصريح لخطة الحكم الذاتي كأساس موثوق للمفاوضات بما يمثل ثلثي الدول أعضاء الأمم المتحدة، و فتحت نحو 30 دولة منها قنصليات عامة لها بمدينتي العيون والداخلة كتعبير سياسي مباشر عن هذا الدعم.وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمواقف القوى الكبرى—وعلى رأسها الولايات المتحدة (حاملة القلم في مجلس الأمن) وفرنسا اللتان تعترفان بسيادة المغرب، إلى جانب دعم المملكة المتحدة وإسبانيا وألمانيا وتحديث موقف الاتحاد الأوروبي الجماعي لاعتماد مقترح الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات—في كونها تشكل ثقلا سياسيا وقانونيا حاسما داخل مجلس الأمن؛ إذ توجه مسار التسوية الأممية نحو تكريس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الواقعي والعملي الوحيد القابل للتطبيق.
وعلى النقيض من الانخراط المغربي الإيجابي، تستمر جبهة البوليساريو في نهج سياسة العرقلة والتصعيد العسكري، متذرعة بالكفاح المسلح ومتهربة من الالتزام بوقف إطلاق النار، بل وتجاهلت دعوات أممية صريحة لوقف الأعمال العدائية حتى خلال شهر رمضان. كما تواصل الجبهة فرض قيود مشددة وغير مبررة على حرية حركة بعثة المينورسو شرق الجدار الرملي، حيث تحصر حركة الدوريات البرية في نطاق 20 كيلومترا وتمنع رحلات الاستطلاع المروحية بشكل كامل منذ نونبر 2020، مما يعيق بشكل متعمد قدرة البعثة على أداء مهامها ومراقبة الوضع. في المقابل، يلتزم الجيش الملكي المغربي بعقيدة عسكرية احترافية تعتمد على الاستخدام المتناسب للقوة كتدبير وقائي ضد التهديدات الوشيكة في إطار الدفاع عن النفس، كما يساهم بشكل فعال في الاستقرار الإقليمي وحماية المدنيين من خلال تطهير ما يقرب من 269 مليون متر مربع من الأراضي غرب الجدار من الألغام والذخائر المتفجرة.
إن المراجعة الاستراتيجية لولاية بعثة المينورسو تكشف بوضوح عن عدم استدامة الوضع الحالي والمقاربات الكلاسيكية، حيث أشار فريق المراجعة صراحة إلى وجود فجوة كبيرة ومستمرة بين ولاية البعثة الأصلية المتمثلة في تنظيم الاستفتاء وما يمكنها تحقيقه واقعيا على الأرض. هذا الاعتراف الأممي بفشل المقاربات القديمة، كعمليات تحديد هوية وتسجيل الناخبين التي توقفت لأكثر من عقدين، يعزز الوجاهة السياسية والأخلاقية للرؤية المغربية. لذلك، يقترح السيد الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير تكييف ولاية البعثة مستقبلا لدعم تنفيذ تسوية سياسية تفاوضية ترتكز على توفير ضمانات دولية قوية للانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي. هذا التحول يؤكد أن مسار الحل يمر حصرا عبر التوافق السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي، بعيدا عن الطروحات الانفصالية غير القابلة للتطبيق.
من الناحية الإنسانية، يفضح الوضع المأساوي في مخيمات تندوف زيف شعارات الأطراف الانفصالية والمسؤولية المباشرة للدولة المضيفة، حيث يعاني المحتجزون من تدهور حاد في الأمن الغذائي وارتفاع مقلق في معدلات التقزم وسوء التغذية بين الأطفال، في ظل تقلص التمويلات والمساعدات الدولية. وتزداد الصورة قتامة مع استمرار التعتيم وحرمان مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من الوصول إلى المنطقة منذ عام 2015 لتقييم الأوضاع بشكل مستقل. إن هذه الحقائق الموثقة في التقارير الأممية تثبت أن استمرار هذا النزاع لا يخدم سوى أجندات الأطراف المعرقلة على حساب معاناة ساكنة المخيمات، مما يجعل الانخراط في مسار التسوية، استنادا إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي المدعوم بزخم دولي متنام واعتراف أممي بكونه النتيجة الأكثر جدوى، السبيل الأوحد والمستدام لطي صفحة هذا النزاع الإقليمي، وضمان العودة الكريمة للاجئين، وتحقيق الاستقرار الشامل في المنطقة.

