عيد الوحدة.. مغرب موحد في ترابه، فهل يتوحد في فرصه؟

عيد الوحدة.. مغرب موحد في ترابه، فهل يتوحد في فرصه؟
مقال رأي : سعيد حفيظي 

ليس عيد الوحدة مجرد تاريخ يضاف إلى الروزنامة الوطنية، ولا مناسبة عابرة تتزين فيها الشوارع بالأعلام وتتعالى فيها الخطب الرسمية عن أمجاد الوطن. إنه، في عمقه السياسي والتاريخي، لحظة لاستعادة معنى المغرب الذي استطاع، عبر محطات مفصلية من تاريخه، أن يجعل من وحدته الترابية قضية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى جوهر الهوية الوطنية، ومن الدفاع عن أرضه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

في عيد الوحدة، يستحضر المغاربة مسارا طويلا من التضحيات والنضال من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة، مسارا ارتبط بذاكرة وطنية لا تنفصل فيها الأرض عن الإنسان، ولا السيادة عن الكرامة، ولا الانتماء عن الالتزام. فالأوطان لا تصنعها الخرائط وحدها، بل تصنعها أيضا إرادة الشعوب، وقدرتها على تحويل الذاكرة المشتركة إلى مشروع للمستقبل.

لقد ظل المغرب، عبر تاريخه الحديث، وفيا لفكرة مركزية مفادها أن وحدته الترابية ليست موضوعا للمساومة، بل قضية وطنية تحظى بإجماع واسع، وتستمد قوتها من عمق الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع مختلف مكونات الأمة. غير أن قوة القضايا الوطنية لا تقاس فقط بما تحققه من مكاسب دبلوماسية، بل كذلك بقدرتها على بناء مجتمع متماسك، يشعر فيه المواطن بأن الوطن ليس مجرد انتماء رمزي، وإنما فضاء للحقوق والفرص والعدالة والكرامة.

وهنا تحديدا، ينبغي أن ننتقل من الاحتفاء بالوحدة باعتبارها منجزا تاريخيا إلى التفكير فيها باعتبارها ورشا وطنيا متجددا. فالوحدة الترابية، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تحجب عنا سؤال الوحدة الاجتماعية، ولا أن تجعلنا نغفل عن الفوارق المجالية، أو عن مطالب الشباب في الشغل والعيش الكريم، أو عن تطلعات المواطنين إلى مدرسة عمومية جيدة، وخدمات صحية لائقة، وإدارة تنصت إليهم بدل أن تثقل كاهلهم بالانتظار والتعقيد.

إن المغرب الذي يدافع عن سيادته ووحدته في المحافل الدولية، مطالب أيضا بأن يجعل من العدالة المجالية عنوانا لسياساته العمومية، حتى لا يشعر المواطن في القرى والمناطق النائية بأنه يعيش على هامش التنمية، أو أن المسافة التي تفصله عن المستشفى والمدرسة وفرص العمل أطول من المسافة التي تفصله عن مركز القرار. فالوطن لا يكتمل فقط بحدوده الجغرافية، بل يكتمل حين يشعر أبناؤه، أينما وجدوا، بأن لهم المكانة نفسها في سلم المواطنة، وأن كرامتهم ليست امتيازا تمنحه الجغرافيا أو تفرضه القدرة الشرائية.

ولعل أحد أهم الدروس التي يحملها عيد الوحدة هو أن الوطنية ليست خطابا للاستهلاك الموسمي، ولا شعارا يرفع كلما احتجنا إلى استدعاء العاطفة الجماعية. الوطنية ممارسة يومية تتجلى في احترام القانون، وصيانة المال العام، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الثقة بين المواطن والمؤسسات. وهي، قبل ذلك وبعده، قدرة على الجمع بين الاعتزاز بالماضي والشجاعة في مواجهة اختلالات الحاضر.

إن الدبلوماسية المغربية، بما راكمته من تحركات ومواقف في الدفاع عن القضية الوطنية، تحتاج إلى سند داخلي قوي، قوامه مجتمع واثق في مؤسساته، واقتصاد منتج، ومؤسسات ديمقراطية فعالة، وتنمية لا تترك أحدا خلفها. فالعالم لا ينظر إلى الدول من زاوية مواقفها الخارجية وحدها، بل ينظر أيضا إلى قدرتها على تدبير شؤونها الداخلية، وتحويل شرعيتها التاريخية إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وفي زمن تتغير فيه موازين القوى، وتشتد فيه المنافسة على المصالح والنفوذ، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تمتلكه من أوراق دبلوماسية، بل كذلك بقدرتها على بناء الإنسان، وتحصين الجبهة الداخلية، والاستثمار في المعرفة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية. ومن ثم، فإن الدفاع عن الوحدة الوطنية يقتضي، إلى جانب اليقظة الدبلوماسية، يقظة تنموية تجعل المواطن شريكا في البناء، لا مجرد متلق للخطاب الرسمي.

إن الاحتفاء بعيد الوحدة ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد العهد مع الوطن، ولكن أيضا لتجديد الالتزام تجاه المواطن. فلا تعارض بين الدفاع عن الثوابت الوطنية والمطالبة بالإصلاح، ولا تناقض بين الاعتزاز بالمنجزات التاريخية والتنبيه إلى مكامن الخلل. بل إن النقد المسؤول، حين ينطلق من الحرص على المصلحة العامة، يصبح أحد أوجه المواطنة الصادقة، لأنه يسعى إلى جعل الوطن أقوى بمؤسساته، وأكثر تماسكا بعدالته، وأقدر على مواجهة تحديات المستقبل.

فالمغرب الذي نريده ليس فقط مغربا موحدا في أرضه، بل مغربا موحدا في فرصه وآمال أبنائه أيضا؛ مغربا لا تتحول فيه الاختلافات المجالية إلى شعور بالتهميش، ولا تصبح فيه الفوارق الاجتماعية سببا في اتساع المسافة بين المواطن والوطن.

في عيد الوحدة، نستحضر التاريخ بكل ما يحمله من تضحيات ودلالات، لكننا لا نقف عند عتبته. فالأمم التي تحترم تاريخها هي التي تعرف كيف تستثمره لبناء مستقبلها، والتي تدرك أن صيانة المكتسبات لا تتحقق بالاحتفال بها وحده، وإنما بتجديد شروط استمرارها.

إن الوحدة التي نحتفي بها اليوم ليست نهاية الطريق، بل مسؤولية مستمرة. ومسؤوليتنا جميعا أن نجعل من وحدة الأرض أساسا لوحدة المصير، ومن الإجماع على الثوابت الوطنية قوة دافعة نحو مغرب أكثر عدلا وكرامة وتنمية. فالأوطان لا تكبر فقط بما تستعيده من تاريخها، بل أيضا بما تمنحه لأبنائها من أمل في المستقبل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *