الصغضاوي رشيد.. حين يتحول الإحساس إلى لون واللوحة إلى ذاكرة
يُعد الفنان التشكيلي رشيد الصغضاوي من التجارب الفنية المغربية التي اختارت أن تجعل من اللون لغة قائمة بذاتها، ومن اللوحة فضاءً مفتوحاً على الإحساس والتأمل والبحث عن المعنى، فمن مسار تشكل بين الأدب والشعر والموسيقى، قبل أن يستقر في رحاب الفن التشكيلي، استطاع أن يطور رؤية خاصة تقوم على التعبير عن المشهد الداخلي للإنسان أكثر من نقل ما تراه العين، وفي أعماله لا تكون اللوحة مجرد مساحة تتجاور فوقها الألوان، بل رحلة بصرية تتشكل تدريجياً، وتترك لكل إحساس أن يقودها نحو وجهتها.
ينتمي الفنان رشيد الصغضاوي إلى تجربة شخصية جعلت من الموسيقى جزءاً من اهتماماته ووجدانه، إذ كان محباً ومولعاً بها منذ بداياته، ومتأثراً بالإيقاع والإحساس والتناغم الذي تمنحه الموسيقى للروح، كما أن تكوينه في الأدب الفرنسي واهتمامه بالشعر منحاه علاقة خاصة بالكلمة والصورة والمعنى، قبل أن يقوده القلم إلى تجربة امتدت لنحو خمس سنوات، فتحت أمامه الطريق نحو اكتشاف إمكانات أخرى للتعبير، وكانت فترة التدريب في فيلا الفنون، بالإضافة إلى صداقته مع مجموعة من الفنانين وزيارته إلى مجموعة من الفضاءات الفنية وحضوره الدائم والمستمر في الورشات، جعلت منه محطة مهمة في هذا المسار، إذ أتاحت له الاقتراب أكثر من الممارسة التشكيلية واكتشاف ذاته داخلها، ومع اتساع التجربة وجد نفسه قريباً من التعبيرية التجريدية، ومتأثراً بعالم جاكسون بولوك (Jackson Pollock)، غير أن هذه المرجعيات لم تكن غاية في حد ذاتها، بل جزءاً من رحلة البحث عن لغة شخصية تستجيب لما يشعر به.
في قلب هذه اللغة يحضر اللون، لا يتعامل معه رشيد كعنصر جمالي فحسب، وإنما كقوة قادرة على بناء اللوحة وتحريك إحساس المتلقي، وهو يهتم خصوصاً بالعلاقة التي تنشأ بين الألوان، وبما يمكن أن يخلقه تفاعلها من توتر وانسجام وعمق، ولذلك لا يدخل الفنان إلى اللوحة دائماً بفكرة مكتملة أو تصور نهائي، يجلس أمامها، يتأملها، وينتظر لحظة الإحساس التي تدفعه إلى البدء، ثم تبدأ رحلة العمل، دون أن يعرف بالضرورة إلى أين ستقوده، فالإحساس عنده يسبق الفكرة، واللوحة تكشف عن وجهتها أثناء إنجازها.
ويعمل الفنان رشيد على اللوحة في مراحل متعددة، يضيف طبقة، ثم يعود إليها، يتممها قبل أن يعيد الاشتغال عليها من جديد، وقد تصبح اللوحة في لحظة ما مكتملة في نظره، قبل أن يكتشف فيها إمكانية أخرى، لذلك تتحول عملية الرسم إلى فعل مستمر من البناء وإعادة البناء، وهو ما يفسر حضوره المتكرر في تجاربه على القماش والكارطون والورق.
وفي أعماله بالأكريليك، يعتمد الفنان رشيد على التراكم والترسيب، من خلال الطبقات الشفافة والكثافات اللونية والفرشاة الجافة والانسيابات المحسوبة، إلى جانب الحفر على السطح، وتمنح هذه التقنيات للوحة ذاكرة بصرية خاصة، إذ لا تختفي آثار المراحل السابقة بالكامل، وإنما تظل حاضرة تحت الطبقات الجديدة، لتبدو اللوحة أشبه بسطح يحتفظ بتاريخ تشكله.
وتختصر رؤيته الفنية عبارة شديدة الدلالة: «لا أرسم منظراً أراه، بل منظراً داخلياً أشعر به»، فالهدف ليس نقل الواقع كما تراه العين، وإنما ترجمة الأثر الذي يتركه العالم في الداخل، ومن هنا تتحول اللوحة إلى مساحة للبوح غير المباشر، حيث يصبح اللون والحركة والأثر بديلاً عن الكلمات.
وتحمل الألوان في عالم الفنان رشيد دلالات خاصة، فالألوان الترابية تستحضر ذاكرة المادة، وتحفظ بصمات الزمن وآثاره الصامتة، بما تختزنه من تجربة وجودية مثقلة بالجروح والانكسارات والفقد وخيبات الأمل، أما الأزرق فوق البحري، فيحيل إلى الامتداد والفراغ، بينما يتوهج الأحمر القرمزي كجمرة تقاوم الانطفاء، ويمنح الأسود ثقله وارتكازه، لتتداخل هذه العناصر في حوار بصري دائم بين الضوء والظلمة، وبين الهدم وإعادة البناء.
وتتقاطع تجربة رشيد الصغضاوي مع عدد من المرجعيات الفنية، من التعبيرية التجريدية الأمريكية، خصوصاً مارك روثكو (Mark Rothko) وجاكسون بولوك (Jackson Pollock)، إلى زاو ووكي (Zao Wou-Ki) في بحثه عن الضوء الداخلي، والرسام الفرنسي وبيير سولاج (Pierre Soulages) في علاقته بالأسود والضوء، غير أن هذه التأثيرات تدخل في تجربته باعتبارها روافد، لا قوالب جاهزة، إذ يعيد الفنان صياغتها داخل حساسيته الخاصة.
ولا تنفصل التقنية عن الجسد في عملية الإنجاز، والحركة والتكرار، حيث يضيف اللون ثم العودة إليه، تجعل عملية الرسم نفسها جزءاً من العمل، لذلك تحمل اللوحة آثار الفرشاة والخدوش والانسيابات شيئاً من الحركة التي عاشها الفنان أثناء إنجاز اللوحة، لتصبح النتيجة سجلاً للعمل بقدر ما هي صورته النهائية.
ومن الصعب أيضاً فصل هذه التجربة عن علاقة رشيد بالشعر والأدب، فالفنان الذي انطلق من عالم الكلمة يبدو وكأنه نقل الإيقاع والصورة والاستعارة من الصفحة إلى القماش، وإذا كان الشاعر يبني إحساسه بالكلمات، فإن التشكيلي يبنيه باللون والمساحة والضوء والصمت، لذلك لا يبدو انتقاله إلى التشكيل قطيعة مع الأدب، وإنما امتداداً له بلغة بصرية مختلفة أكثر مجازا.
هكذا تظل أعمال رشيد الصغضاوي مفتوحة على التأويل، لا تقدم للمتلقي معنى واحداً مغلقاً، وإنما تمنحه فرصة للدخول إلى العمل من زاويته الخاصة، فاللوحة لا تنتهي تماماً عند اللحظة التي يتوقف فيها الفنان عن الاشتغال عليها، إذ تبدأ حياة أخرى عندما يلتقي سطحها بعين المشاهد.
وهكذا يواصل رشيد الصغضاوي بناء تجربته بين الأدب واللون، وبين الذاكرة والإحساس، مستنداً إلى بحث لا يتوقف عن اكتشاف إمكانات اللوحة، إنه لا يرسم ما تراه العين فقط، بل يحاول أن يمنح شكلاً لما يسكن الداخل، لتصبح اللوحة في النهاية أثراً للزمن، وذاكرة للإحساس، ولغة بصرية لما قد تعجز الكلمات عن قوله.

