معالم على طريق إجهاض مشروع إسرائيل الكبرى
إن عدم انهيار إيران وسقوط نظامها، مع استمرار صمودها منذ بداية الحرب التي تشن عليها، بات يعرقل بوضوح مسار تشكيل خارطة “إسرائيل الكبرى” بسرعة، قبل أن تنتقل الحركة الصهيونية العالمية إلى تخريب كل من: تركيا، ومصر، والسعودية، وروسيا، والصين، واليابان، والبرازيل، وباكستان، والهند، وجنوب أفريقيا، وكوريا الشمالية والجنوبية، وإسبانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، وإيطاليا، وليبيا، وسوريا، والجزائر، واليمن، ولبنان، والعراق.
والصراع القادم الذي سيفتعل بين السنة والشيعة للتخلص من كليهما، سيتخلله فوضى قد تسود منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى باب المندب، عبر توجيه وتجديد نشاط الجماعات المقاتلة ضد بعضها البعض. وقد ينطلق ذلك من العراق وينتقل إلى سوريا ولبنان، ثم إلى منطقة الصحراء الكبرى والساحل بأفريقيا.
ويتضح ذلك أيضاً في الحروب المفتعلة بمحيط الحدود الشرقية والغربية والجنوبية للدولة المصرية، للتشويش على الجيش المصري وتشتيت قدراته الدفاعية والهجومية، ومن جهة أخرى للتشويش على الجيش التركي أيضاً، من خلال إشعال الأزمة بينه وبين اليونان وشطر قبرص اليوناني.
غير أن احتمال دخول لاعبين من تحت الطاولة على خط المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران والإقليم، يؤكد إمكانية تحييد أنقرة للدعم التركي الموجه لأوروبا في مواجهة الكرملين، بسبب الدعم الأوروبي المحتمل لإسرائيل في مواجهتها لتركيا، وبسبب ضرورة امتصاص تركيا لغضب الكرملين بعد تورط أنقرة في دعم الجيش الأوكراني. وهو ما قد ترى فيه براغماتية الأتراك ضرورة ملحة في خضم المشاكل من داخل الناتو، واحتمال دعم بعض أعضائه لإسرائيل في أي مواجهة محتملة ضد مصالح تركيا. وهو ما ستحاول تل أبيب التصدي له من خلال خلط الأوراق في مربع البحر الأسود والبوسفور والدردنيل، لتعكير الأجواء بين تركيا وروسيا الاتحادية. ويتجلى ذلك أيضاً في مؤديات تنامي المشاكل من داخل الناتو، وسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الأوروبيين.
وهو من جانب آخر ما يعزل أوروبا عن أمريكا، وينذر بتفك “اللجنة الثلاثية”. وهو أيضاً ما قد يؤدي إلى هزيمة اليابان في أي مواجهة محتملة لها مع الصين، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تعاضد أواصر الحلف الذي يجمع بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.
لذلك، وبعد خطة تخريب الصهيونية للاتحاد الأوروبي وتخريبهم أيضاً للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والدول العربية، بسبب نجاح الضغط الذي يمارسونه على دونالد ترامب بعدما دخل في مصيدة جزيرة جيفري إبستين، هو ما سيدفع بجماعة المتنورين وتجمع البنائين الأحرار حول العالم في نهاية المطاف إلى التضحية بأمريكا من خلال مخططهما الرامي إلى انهيار الدولار. وهو شرط أساسي من شروط سقوط وانهيار الاقتصاد الصيني، وذلك لضرب عصفورين بحجر واحد. وطبعاً – حسب ما نعرفه عن وجهة نظرهم – ونظراً لتركيز بكين عبر تاريخ سياستها الاقتصادية على امتلاك الأصول الدولارية فقط، هو ما قد يؤمنه ويعمل على التغطية على تداعياته بالنسبة لرؤوس الأموال الكبيرة: الفرنك السويسري على المدى المتوسط، والشيكل الإسرائيلي على المدى البعيد، قبيل مخطط انتقال رساميل وول ستريت والشركات الأمريكية الكبرى إلى إسرائيل.
لذلك، فإن تطور الصراعات ذات الطابع الاقتصادي، بسبب رغبة الكبار في الهيمنة على الموارد، سيطور حتماً الصراع بمحيط بحر الشمال، والذي سيتزامن مع إنهاء خطة رسم طريق التجارة الجديد الذي يربط موانئ إسرائيل بالإمارات والهند وأوروبا. وهو ما يزيد من التقارب حول المصالح المشتركة بين بكين وموسكو ويعضدها، وقد يبلور سرعة غير متوقعة في تطوير العلاقات الثنائية بينهما بسبب المصالح المشتركة وبسبب التضييق الذي تمارسه إسرائيل على طرق التجارة الصينية. وهو صراع اقتصادي وتقني تقوده إسرائيل ضد بكين، لتتمكن “إسرائيل الكبرى” من بسط سيطرتها على العالم دون منافس. وهو أيضاً ما حاول الرئيس دونالد ترامب امتصاصه والتقليل من خطورته بدعوته لاجتماع الدول الخمس الكبار، والذي يضم كلاً من: أمريكا، والصين، وروسيا، والهند، واليابان، لعزل أوروبا أولاً، خاصة بعد مرحلة “البريكست” وانسحاب لندن من أوروبا بسبب العلاقة الخاصة التي تربطها بواشنطن. وهو ما سيؤدي إلى تراجع منطقة اليورو وانكماشها، لأن سيطرة “إسرائيل الكبرى” على العالم باتت تتطلب وفق المخططات الموضوعة لذلك التخلص من صعود منطقة اليورو وتخريبها عبر تفكيكها، والتخلص أيضاً من صعود الاقتصاد الصيني وتدميره. وهو ما يتبع بتوريط الكرملين في حروب استنزاف طويلة الأمد، في إطار ما يندرج الحديث عنه بالحرب العالمية الثالثة.
لذلك تسعى الجماعات السرية التي تحكم العالم للدفع بصعود اليمين في أوروبا باستثناء ألمانيا الاتحادية، لتخريب الوحدة الأوروبية وصولاً إلى انهيار الدول الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي. وهو ما يزيد من معضلة اليمين الأوروبي من وجهة نظر الدولة العميقة داخل أوروبا، المرتبط بمشاكل الهجرة بأوروبا والتهديدات التي يؤكدها تطور النمو الديموغرافي داخلها مستقبلاً. وهو خلل من داخل أوروبا تعرفه تل أبيب وتريد استغلاله لتحقيق انتقال العرق الأبيض النقي من أوروبا وحصره فقط في “إسرائيل الكبرى”. وهو أيضاً ما يرتبط بشرط من شروط انتقال الحضارة إلى “إسرائيل الكبرى”.
وبالعودة إلى الشرق الأوسط، فإن احتمال عدم استسلام دول كبرى في المنطقة كمصر وتركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، أمام رغبة شعبة استخبارات “أمان” في هندسة قضم أراض مصرية، وسعودية، وأردنية، ولبنانية، وسورية، وعراقية، ويمنية، وضمها إلى “إسرائيل الكبرى” في ظل مشروعها “من النيل إلى الفرات”، هو ما يعرقل إنجاز خرائط برنارد لويس التي خصصت للمنطقة العربية عبر تقسيمها وتفتيتها من جديد. حيث صممت هذه الخرائط في الأصل لخدمة مشروع “إسرائيل الكبرى” وخريطتها الموسعة.
لذلك فإن الوضع ما بعد حرب إيران وما يليها، وما بعد احتمال التطور ببحر الصين الجنوبي والمحيط المتجمد الشمالي وما يليهما، وتطور أزمة تضخم الاقتصاد العالمي المرتبط بالدولار، يؤهل لتحقيب التاريخ لمرحلة صعود اليمين بأوروبا، ومعه أيضاً “الرايخ الرابع” بألمانيا، والذي تؤكد مراكز الأبحاث العلمية الأنجلوساكسونية أنه سيتحالف مع روسيا الاتحادية وتركيا وإيران وسوريا وليبيا. وهو حلف قد يفاجئ مشروع “إسرائيل الكبرى”، خاصة إن كانت الحضارة قد انتقلت من الغرب إلى الشرق واستقرت بالصين.
إذ إن هكذا تطور قد يؤدي إلى قيام عالم متعدد الأقطاب، تقوده إمبراطوريات، قد تجهض حلم “إسرائيل الكبرى” في تصدر العالم بشكل أحادي، ما بين سنتي 2065 م و 2075 م.

