العثماني يفند رواية الريسوني ويضعها أمام اختبار الحقيقة
طالما جرى تسويق نبرة سليمان الريسوني باعتبارها نموذجا للجرأة في تناول الملفات السياسية والحزبية، غير أن الجرأة الصحافية لا تقاس بحدة العبارات ولا بطول الحلقات ولا بحجم الادعاءات، وإنما بقدرة صاحب المعلومة على إثباتها والدفاع عنها عندما يظهر الطرف المعني لينفيها صراحة.
وهذا بالضبط ما حدث عندما خرج سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، ليفند الرواية التي نسبت إليه واقعة مرتبطة باتصال من مستشار ملكي، واصفا ما ورد بشأنه بأنه «محض افتراء».
هنا لم يعد النقاش متعلقا بقراءة سياسية أو بتأويل موقف يمكن أن تختلف بشأنه الآراء. أصبحنا أمام واقعة محددة: رواية تقول إن اتصالا وقع وإن كلاما بعينه قيل خلاله، وطرف يفترض أنه أحد المعنيين مباشرة بهذه الواقعة ينفيها من أساسها.
وهذه نقطة جوهرية مهنيا. فحين ينشر صحافي معلومة بهذه الخطورة وينسبها إلى مصادر غير معلنة، ثم يخرج الطرف الأصلي ليقول إن الواقعة لم تحدث كما رويت، تصبح الرواية مطالبة بالدليل. لا يكفي الاحتماء بعبارة «مصادر من داخل الحزب»، ولا الحديث عن قيادي في الأمانة العامة أو برلماني سابق، لأن قوة المصدر المجهول لا يمكن أن تتحول إلى حصانة دائمة أمام نفي علني وصريح من الشخص الذي نسبت إليه الواقعة.
النفي، بطبيعة الحال، لا يشكل وحده حكما قضائيا بأن صاحب الرواية كذب عمدا، كما أنه لا يمنع الصحافي من التمسك بما نشر إذا كان يتوفر على أدلة مستقلة تثبته. لكنه يقلب عبء الإثبات مهنيا: من نشر الادعاء مطالب الآن بأن يقدم ما يسنده، وإلا ظلت روايته غير مثبتة ومتناقضة بصورة مباشرة مع شهادة الطرف المعني.
وهنا يظهر الفارق بين الجرأة الصحافية والمجازفة بالمصداقية. الجرأة هي أن تنشر ما تستطيع الدفاع عنه غدا، عندما يسألك المعني: ما دليلك؟ أما أن تبنى رواية شديدة الحساسية على مصدر مجهول، ثم يأتي أحد أطرافها الرئيسيين لينفيها بعبارة قاطعة، فإن الإصرار عليها دون تقديم عناصر إثبات يحولها من «سبق» مزعوم إلى ادعاء معرض لوصفه بالكذب وعدم الصحة.
كان غياب العثماني عن الحلقة يسمح للريسوني بأن يسرد الرواية بالطريقة التي يريدها، لكن حضور العثماني لاحقا غيّر قواعد النقاش. أصبح لدينا اسم وصوت وموقف معلن في مواجهة مصدر مجهول. لم يعد السؤال: من يتحدث بجرأة أكبر؟ بل أصبح السؤال الأبسط والأكثر مهنية: أين الدليل؟
الصحافة ليست مسابقة في رفع سقف الكلام، وليست امتيازا يمنح صاحبه حق رواية ما يشاء عن الآخرين ثم مطالبتهم بإثبات العكس. الصحافة مسؤولية، وكلما كانت المعلومة أخطر، ارتفع واجب التحقق منها. وإذا كانت المعلومة تمس أشخاصا ومؤسسات وتضع على ألسنتهم عبارات محددة، فإن واجب الإثبات يصبح أكثر إلحاحا.
كما أن القضية تتجاوز شخص العثماني. الرواية، كما قدمت، أدخلت مستشارا ملكيا في واقعة سياسية محددة ونسبت إليه كلاما شديد الحساسية. وعندما ينفي الطرف الآخر في الاتصال حصول الأمر بالصورة التي رويت، يصبح الاستمرار في تداول الرواية دون دليل مسألة تتعلق أيضا بحق الأشخاص في حماية سمعتهم من أقوال غير مثبتة.
يمكن الاختلاف مع سعد الدين العثماني سياسيا، وانتقاد تجربته الحكومية والحزبية كما يشاء أي كاتب أو صحافي. ويمكن كذلك الاختلاف مع المؤسسة الملكية أو مناقشة أدوار المؤسسات والشخصيات العامة في إطار القانون وأخلاقيات المهنة. لكن النقد شيء، ونسبة واقعة محددة إلى أشخاص أحياء شيء آخر. الأول مجال واسع للرأي، أما الثاني فتحكمه قاعدة بسيطة: الدليل.
لقد وضع نفي العثماني رواية الريسوني أمام امتحان لا تحسمه البلاغة ولا القسم ولا نبرة اليقين. إما أن توجد عناصر إثبات يمكن عرضها وتدقيقها، وإما أن تبقى الرواية في وضع مهني شديد الهشاشة، خصوصا بعدما وصفها أحد أطرافها صراحة بأنها «محض افتراء».
وإذا لم يقدم ما يثبتها، فإن السؤال لن يعود متعلقا بجرأة الريسوني، بل بمصداقية ما قاله. فالصحافي لا يصبح أكثر شجاعة كلما كانت روايته أكثر إثارة، وإنما يصبح أكثر مصداقية كلما استطاع إثباتها عندما توضع أمام الاختبار.
في النهاية، قد تكون الحلقة طويلة، وقد يكون الكلام واثقا، وقد يحضر القسم وتكثر الإحالات إلى مصادر داخلية، لكن كل ذلك لا يصنع حقيقة في غياب الدليل. وبعد نفي العثماني الصريح، باتت الكرة في ملعب صاحب الرواية: أن يثبت ما قال، أو أن يتحمل مهنيا وقانونيا مسؤولية نشر ادعاء نفاه صاحبه ووصفه بالافتراء.
فالفرق بين الصحافة والكلام العابر ليس في الجرأة على الاتهام، بل في القدرة على الإثبات.

