خيرات يخلخل المشهد الانتخابي بسطات.. والردود تبدأ من صفحات الفيسبوك

خيرات يخلخل المشهد الانتخابي بسطات.. والردود تبدأ من صفحات الفيسبوك
بقلم: بوشعيب نجار

يبدو أن عبد الهادي خيرات لم يدخل سباق الانتخابات التشريعية بسطات حاملاً فقط رمز الكتاب، وإنما دخل وفي يده أيضاً «ممحاة» لمسح بعض العبارات المستهلكة من قاموس الحملات الانتخابية، وفي مقدمتها الوعود التي تبدأ قبل الاقتراع وتنتهي مباشرة بعد إعلان النتائج.

خرج خيرات إلى الميدان، وتحدث بلغته المعروفة: مباشرة، صريحة، وأحياناً تترك خلفها الكثير من علامات الاستفهام. وفي خرجاته الأخيرة، خصوصاً بمنطقة أولاد سعيد، لم يكتفِ بترديد ما اعتاد المواطن سماعه في المواسم الانتخابية، بل فتح ملفات المال الانتخابي، والتنمية، وأوضاع المواطنين، ووجّه سهام النقد إلى عدد من الممارسات السياسية.

وهنا، يبدو أن شيئاً ما تحرك في البركة.

فحين يكون الخطاب هادئاً، والوعود كثيرة، والابتسامات موزعة بسخاء، يكون كل شيء على ما يرام. لكن عندما يظهر سياسي بخطاب مرتفع السقف، ويبدأ في تسمية الأشياء بأسمائها، تتحول بعض الصفحات فجأة إلى غرف أخبار عاجلة، وتبدأ «الأخبار الحصرية» في النزول من السماء بلا مصدر ولا توقيع ولا حتى عنوان واضح.

آخر هذه «التحف الصحفية» كان الحديث عن استدعاء عبد الهادي خيرات من طرف الوكيل العام للملك بسطات.

خبر كبير، لو كان صحيحاً، يحتاج إلى مصدر رسمي واضح. أما أن يتحول إلى منشور في صفحة إلكترونية، ثم يتم تقديمه للرأي العام وكأنه قرار قضائي صادر وموقع ومختوم، فهنا لا نكون أمام صحافة، وإنما أمام اجتهاد من نوع «قالوا لي وقال لك».

والقضاء، مع كامل الاحترام، ليس حائطاً انتخابياً تُعلّق عليه المنشورات كلما ارتفعت حرارة المنافسة.

ومن حق أي جهة أن تنتقد خيرات، ومن حق أي منافس سياسي أن يختلف معه، بل ومن حق الناخب أن يرفض خطابه جملة وتفصيلاً. لكن تحويل الإشاعة إلى حقيقة لا يخدم لا السياسة ولا الصحافة ولا حتى أصحاب الإشاعة أنفسهم.

واللافت أن خيرات، عوض أن يختار الطريق السهل، يبدو أنه اختار أن يرفع منسوب المواجهة السياسية. الرجل يعرف سطات، ويعرف البرلمان، ويعرف جيداً أن الميكروفون الانتخابي ليس دائماً وسادة مريحة للجميع.

لقد شرب الرجل من حليب اليسار المغربي منذ عقود، ولذلك يبدو أن معدته السياسية لا تهضم بسهولة «الخطاب المنمق» ولا «الوعود بنكهة الانتخابات».

قد يتفق معه المواطن أو يختلف، وقد يرى البعض أن خطابه حاد أكثر مما ينبغي، لكن من الصعب تجاهل أن ظهوره أعاد إلى الحملة شيئاً افتقدته أحياناً: المواجهة السياسية الحقيقية.

فالانتخابات ليست مهرجاناً للصور، ولا مسابقة في عدد السيارات التي تجوب الشوارع، ولا بطولة في رفع الأعلام واللافتات. الانتخابات في النهاية سؤال بسيط: ماذا سيحمل المرشح معه إلى البرلمان غير صورة الحملة الانتخابية؟

وهنا تحديداً يبدو أن خيرات يريد أن يجعل من تجربته السابقة ورقة انتخابية، ومن ذاكرته السياسية سلاحاً، ومن خطابه الصريح وسيلة لاستعادة التواصل مع فئات من أبناء الإقليم، خصوصاً ممن يعرفون الرجل منذ سنوات.

أما الذين كانوا يعتقدون أن الانتخابات يمكن أن تمر بهدوء، وبنفس السيناريو المعتاد، فقد يكونون أمام مفاجأة صغيرة: دخول خيرات إلى السباق جعل بعض الحسابات تحتاج إلى آلة حاسبة جديدة.

والأكثر إثارة للسخرية أن الرجل كلما تحدث، خرجت بعض الصفحات لتتحدث عنه أكثر. وكأن الحملة الانتخابية تحولت إلى مباراة غير معلنة: خيرات يتحدث في الميدان، وصفحات ترد عليه في العالم الافتراضي، والمواطن يتابع المشهد ويقول في قرارة نفسه: «الله يجعلها سياسة ماشي غير صداع الراس».

في السياسة، هناك من يختار أن يربح بالصمت، وهناك من يختار أن يربح بالكلام، وهناك من يعتقد أن كثرة الضجيج تعني كثرة الأصوات. لكن التاريخ الانتخابي علمنا أن الميكروفون لا يصوت، والسيارة لا تصوت، والصفحة الإلكترونية لا تصوت.

الذي يصوت هو المواطن.

وإذا كان عبد الهادي خيرات قد استطاع فعلاً تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي بسطات، فإن السؤال الذي يستحق النقاش ليس هل أزعج هذا السياسي أو ذاك، وإنما لماذا أصبح مجرد خطاب سياسي مرتفع السقف قادراً على إحداث كل هذه الضجة؟

ربما لأن الساحة اعتادت على المجاملات أكثر مما اعتادت على المواجهة.

وربما لأن بعض السياسيين يفضلون سماع التصفيق، بينما اختار خيرات أن يسمع الأسئلة الصعبة.

وفي النهاية، لا خيرات يملك مفتاح صناديق الاقتراع، ولا خصومه يملكونه. المواطن وحده يملك الورقة الحاسمة.

أما ما تبقى من «الهلوسات الانتخابية»، و«الأخبار التي تولد في الصفحات وتموت أمام أول سؤال عن المصدر»، فمكانها الطبيعي ليس صناديق الاقتراع، وإنما سلة المهملات الإعلامية.

ويبقى الكتاب حاضراً في السباق، ويبقى خيرات حاضراً بخطابه، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتحول هذه الضجة إلى أصوات، أم أن المياه ستعود إلى السكون بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟

هذه المرة، وحده المواطن يملك الجواب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *