عهد محمد السادس: نهاية الابتزاز السياسي في قضية الصحراء
أعلنت المملكة المغربية تسمية الطريق السريع تزنيت الداخلة باسم دونالد ترامب، في خطوة تزامنت مع إعلان ترامب نفسه شكره للملك محمد السادس على هذا التكريم، وإظهاره اعتزازه بالمسار الجديد الذي يربط الجنوب المغربي بالصحراء. ولا تكمن أهمية الحدث في الاسم بقدر ما تكمن مقاصده التي تتجاوز حدود المجاملة الرمزية الى مستوى الاشارة السياسية الثقيلة،فحين تحمل بنية تحتية استراتيجية بهذا الحجم إسم رئيس أمريكي سبق أن اعترف صراحة بسيادة المغرب على الصحراء، فإن المغرب لا يقدم هدية رمزية فحسب، بل يعيد تثبيت خريطة الاصطفاف الدولية حول قضية وحدته الترابية، ويحول الرمز الى اداة قراءة سياسية صريحة لربط شمال المغرب بجنوبه في طريق سريع عابر للصحراء.
ومن هنا يمكن فهم دلالة هذا الخبر خارج منطق الاحتفاء العابر. فالصحراء المغربية، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، لم تعد مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل صارت محورا مركزيا يعيد تعريف معنى السيادة نفسها، ويحدد طبيعة العلاقات التي يقيمها المغرب مع العالم. المسألة لم تعد تتعلق فقط بالدفاع عن وحدة ترابية مهددة، بل صارت تتعلق ببناء رؤية دولة كاملة، تجعل من الصحراء معيارا للحكم على صدق المواقف الدولية، وميزان لقياس جدية الشراكات، وبوصلة لتحديد من يقف مع المغرب ومن يراهن على اضعافه، و هي نفس الرؤية التي أكد عليها جلالة الملك محمد السادس في خطاب الذكرى 69 لثورة الملك والشعب أن ملف الصحراء هو “النظارة” التي ينظر بها المغرب إلى العالم.
سابقا كانت الصحراء هي النظارة التي يرى من خلالها المغرب، و اليوم صارت هي الطريق السريع الوحيد المؤدي لنهاية القضية المفتعلة و لفشل الطرح الانفصالي. هذه الطريق الرمزية هي إعلان لمسار جديد ينتقل من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة المعايير. من هنا، لم تعد الشراكات الدولية تُقاس فقط بمنافعها الاقتصادية أو بأبعادها البروتوكولية، وإنما بمدى وضوحها من القضية الوطنية الأولى للمملكة. وهذا التحول لا يمكن اختزاله في عدد الاعترافات او في تواتر المواقف المؤيدة، لأنه قبل كل شيء تحول في فلسفة الدولة، من الدفاع الانفعالي الى الفعل المنظم، ومن رد الفعل الى صناعة المعايير. وهذه القراءة تنسجم مع التاكيد الامريكي المتجدد على دعم سيادة المغرب ومقترح الحكم الذاتي بوصفه الأساس الوحيد للحل.
لقد نجح المغرب في عهد محمد السادس في نقل ملف الصحراء من منطقة الاستنزاف السياسي الى مجال المبادرة الاستراتيجية. وهذا التحول ليس بسيطا ولا عابرا، لانه يعني ان الدولة المغربية لم تعد تنتظر الاعتراف بشرعية موقفها حتى تتحرك، بل جعلت من شرعية موقفها نفسها مصدر قوة دبلوماسية واقتصادية وسياسية. فبدل أن تبقى الصحراء موضوعا للنقاش الخارجي، صارت إطارا مرجعيا يعاد من خلاله ترتيب الأولويات الوطنية وبناء التحالفات وتوجيه الاستثمار وتعزيز الحضور الدولي. وفي هذا السياق تحديدا، يكتسب الخطاب الملكي الذي جعل من ملف الصحراء نظارة ينظر بها المغرب الى العالم، قيمة تحليلية كبيرة، لانه يعبر عن انتقال دقيق من خطاب المجاملة الى خطاب المعايير، ومن دبلوماسية التردد الى دبلوماسية الوضوح، ومن علاقات رمادية قابلة للتأويل الى علاقات يفترض فيها ان تكشف موقع كل طرف من القضية الوطنية الأولى للمملكة.
ولعل اهم ما يميز هذه المرحلة هو ان المغرب لم يعد يتعامل مع قضية الصحراء بوصفها مجرد قضية حدود او نزاع اقليمي، بل باعتبارها اختبارا لصدق النظام الدولي نفسه. فحين يصبح احترام الوحدة الترابية معيارا للعلاقات، وحين تصير المواقف من الصحراء مدخلا لتقييم الشراكات السياسية والاقتصادية، فإن الأمر يتجاوز حدود النزاع التقليدي الى مساءلة عميقة لمنطق العلاقات الدولية كما يدار في الواقع. هنا بالضبط تظهر عبقرية المقاربة المغربية، لأنها لا ترفض الشراكات ولا تنغلق على ذاتها، لكنها تضعها تحت شرط السيادة، وتعيد تعريفها انطلاقا من مصلحة الدولة العليا، لا انطلاقا من ضغوط ظرفية او حسابات عابرة. وهذا ما جعل عددا متزايدا من الدول يعيد النظر في مواقفه، سواء عبر فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، او عبر التعبير الصريح عن دعم مبادرة الحكم الذاتي، او من خلال الانتقال من الحياد الغامض الى الاعتراف العملي بان المغرب هو الطرف الأكثر جدية وواقعية في هذا الملف.
وفي المقابل، تكشف المواجهة الدبلوماسية مع الجزائر عن بعد اخر بالغ الأهمية. فالمشكل لم يعد فقط في اختلاف المواقف، بل في التناقض البنيوي الذي يحكم الخطاب الجزائري نفسه. فقد ظل هذا الخطاب يرفع شعار تقرير المصير خارج حدوده، بينما يغض الطرف عن قضايا مماثلة داخل مجاله الوطني، او يتعامل معها بمنطق الانتقاء السياسي. وهنا كان الرد المغربي، وخاصة من خلال المواقف القوية التي عبر عنها السفير عمر هلال في الأمم المتحدة حين أكد أمام وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة أن تقرير المصير يجب أن يستفيد منه حتى الشعب القبائلي داخل الجزائر، فكان هذا الرد القاسي و غير المسبوق في الديبلوماسية المغربية صدمة لصانع القرار الجزائري لأنه لم يكتف بالاعتراض، بل فضح منطق الازدواجية الذي يقوم عليه خصم المغرب و نقل التهديد الانفصالي للوحدة الترابية الجزائرية.
لقد اعاد هذا الرد النقاش إلى أصوله النظرية، وذكر بأن تقرير المصير ليس شعارا انتقائيا يستخدم متى شاءت بعض القوى، بل هو مبدأ يفترض ان يطبق بقدر من التجرد والانسجام. ومن ثم فإن استحضار قضية الشعب القبائلي لم يكن مجرد مناورة خطابية، بل كان تفكيكا رمزيا حادا للخطاب الجزائري، واعادة وضعه أمام تناقضاته الداخلية والخارجية.
ويزداد هذا المعنى وضوحا إذا نظرنا إلى الموقف الأمريكي نفسه بوصفه جزءا من بنية أوسع لا من حادثة منفصلة. فترامب لم يكتف سابقا بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، بل عاد لاحقا ليؤكد دعمه لموقف الرباط، وهو ما جعل الخيط السياسي بين الموقفين المغربي والامريكي خيطا متيناً لا يختزل في ظرف انتخابي أو في لحظة عابرة. وعندما يعود ترامب اليوم ليشكر الملك محمد السادس على تسمية الطريق باسمه، فإن الرسالة المضمرة واضحة: واشنطن لا ترى في الصحراء المغربية ملفا رماديا قابلا للتأجيل، بل ترى فيه مجالا لتعزيز الاستقرار والوضوح، بينما يفشل النظام العسكري الجزائري في فرض قراءته الخاصة على اتجاهات النظام الدولي. وهنا تصبح الضربة سياسية ورمزية في آن واحد، لأنها لا تصيب الخطاب الجزائري فقط، بل تصيب ركيزته الاصلية: وهم القدرة على تجميد المسار المغربي أو احتواءه داخل دائرة الضغط الدائم.
ولعل أهم ما يثبت نجاح المقاربة المغربية هو ذلك التلازم بين الحضور الدبلوماسي والتراكم الميداني. فالمغرب لم يربح المعركة خارجيا فقط، بل ربحها ايضا داخل الأقاليم الجنوبية نفسها. المشاريع الكبرى، والبنيات التحتية، والموانئ، والطرق، والربط الطاقي، والاستثمارات الاجتماعية والاقتصادية، كلها جعلت من الصحراء فضاء حيا للتنمية وليس مجرد موضوع سياسي مجمد. وهذا التحول شديد الدلالة، لأن الدول لا تكسب النزاعات فقط عندما تقنع الآخرين بوجاهة موقفها، بل عندما تنجح في تحويل المجال المتنازع عليه إلى منطقة استقرار وفعالية وجاذبية. وهنا تتجلى إحدى أهم نقاط القوة في التجربة المغربية، وهي أن الدولة لم تكتف بالدفاع عن الصحراء، بل حولتها الى رافعة لاعادة بناء المجال الوطني برمته، وجعلت منها بوابة نحو العمق الإفريقي والامتداد الأطلسي. ومن اللافت في هذا السياق أن الطريق السريع تيزنيت الداخلة نفسه، بطوله وامتداده وراهنه الاستراتيجي، لا يمثل مجرد مشروع نقل، بل حلقة في تصور أوسع يجعل من الصحراء مركزا للربط الاقتصادي والجيوسياسي مع العمق الإفريقي.
ان هذا التحول الاقتصادي ليس منفصلا عن التحول السياسي، بل هو امتداد له ومنتج من منتجاته. فكل توسع في شبكة الاعترافات الدولية، وكل تقدم في الموقف الدبلوماسي، وكل انفتاح جديد على الشراكات الكبرى، يجد سندا عمليا في واقع تنموي ملموس يجعل من الصحراء المغربية نموذجا لمغرب جديد، يربط السيادة بالتنمية، والهوية بالمصلحة، والشرعية بالنجاعة. ولهذا فإن الحديث عن الصحراء في عهد محمد السادس لا ينبغي أن يبقى محصورا في منطق الدفاع عن قضية عادلة، بل يجب ان ينتقل الى فهم كيف اصبحت هذه القضية نفسها اداة لاعادة هندسة القوة المغربية في محيط مضطرب، وكيف صار الملف وسيلة لفرز الاصطفافات، وامتحانا للوضوح السياسي، ومدخلا لتأكيد ان المغرب بلد لا يفاوض على وحدته، لكنه في الوقت نفسه بلد يعرف كيف يحول هذه الوحدة الى مصدر للتأثير. وهذا المعنى هو الذي يفسر لماذا لم تعد الصحراء قضية حدود فقط، بل صارت سؤالا عن معنى الدولة نفسها، وعن قدرة المغرب على تحويل قضاياه المصيرية إلى مصادر قوة، وعن نجاحه في فرض منطق جديد في العلاقات الدولية، منطق يقول بوضوح أن السيادة ليست موضوعا قابلا للتفاوض، بل هي الأساس الذي تبنى عليه كل الشراكات، وتختبر من خلاله كل المواقف، و تقاس به قيمة الدول في نظر المغرب.
ومن زاوية اشمل، يمكن القول إن المغرب في هذا العهد قد انهى زمن الابتزاز السياسي الذي طالما رافق قضية الصحراء. فالمراهنة لم تعد على المماطلة، ولا على تدوير الازمة، ولا على الاستثمار في الغموض، بل على بناء معادلة جديدة قوامها الثقة في النفس، وتراكم الاعترافات، وتكثيف الوجود في الساحة الدولية، وتحويل القضية الوطنية الى عنصر فاعل في الدبلوماسية التنموية للمملكة. وهذه هي النقطة التي تجعل الملف أكثر من مجرد نزاع إقليمي، لأنه صار جزء من سردية دولة تصعد بثبات، و تربط مستقبلها بوحدتها، وتستند الى شرعية تاريخية وسياسية واقتصادية في الدفاع عن ترابها. ومن يفهم هذا التحول يدرك أن الصحراء لم تعد فقط قضية تدافع عنها المملكة، بل أصبحت الميدان الذي تصنع فيه المغرب الجديد، المغرب الواضح، المغرب الواثق، المغرب الذي لا يترك لأحد أن يحدد له أولوياته، ولا يسمح لأي التباس أن يحجب عنه طريق المستقبل.

