موقف البيرو الجديد يعزز الدعم الدولي لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي
يشكل إعلان الرئيسة البيروفية المنتخبة كيكو فوجيموري التزام حكومتها المقبلة بدعم الوحدة الترابية للمغرب وسيادته على أقاليمه الجنوبية محطة دبلوماسية جديدة تؤكد استمرار التحول الذي تعرفه مواقف عدد متزايد من دول أمريكا اللاتينية تجاه قضية الصحراء المغربية
فهذا الموقف لا يقتصر على كونه رسالة سياسية عابرة بل يعكس توجها استراتيجيا يعزز الزخم الذي راكمته الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة في ظل اتساع دائرة الدول التي باتت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية هذا النزاع الإقليمي
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها البيرو داخل أمريكا الجنوبية وإلى تاريخ المنطقة التي ظلت لعقود إحدى الساحات التي حاولت جبهة البوليساريو وحلفاؤها استثمارها دبلوماسيا
غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تغيرا تدريجيا في موازين المواقف داخل القارة بعدما أصبحت العديد من الحكومات تعطي الأولوية لمنطق المصالح والشراكات الاقتصادية والاستقرار الإقليمي بدل الاصطفافات الإيديولوجية التي طبعت مرحلة الحرب الباردة
ومن اللافت أن الرئاسة البيروفية لم تكتف بالإعلان عن دعم الوحدة الترابية للمغرب بل ربطت موقفها بشكل مباشر بالقرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن والذي يكرس المسار الأممي ويؤكد ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق
كما أن تأكيدها على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي أساسا للتسوية يمنح هذا الموقف بعدا قانونيا وسياسيا يتجاوز مجرد إعلان التضامن لأنه ينسجم مع التوجه الدولي المتنامي الذي يرى في المبادرة المغربية الإطار الوحيد القابل للتطبيق لإنهاء النزاع
ويأتي هذا الموقف في سياق دبلوماسي يشهد تحولات متسارعة لصالح المغرب سواء من خلال الاعترافات المتزايدة بمغربية الصحراء أو افتتاح قنصليات عامة بمدينة العيون والداخلة أو اتساع قائمة الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي بشكل صريح
كما ينسجم مع الدينامية التي أطلقتها المملكة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس والقائمة على تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على مختلف القارات وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والتنمية الاقتصادية
ولا يمكن فصل هذا الدعم عن التطور الذي عرفته العلاقات المغربية البيروفية خلال السنوات الأخيرة حيث انتقلت من علاقات تقليدية إلى تعاون أكثر انفتاحا على مجالات الاستثمار والتجارة والأمن الغذائي والطاقات المتجددة
ويبدو أن الحكومة البيروفية الجديدة تراهن على تعزيز هذه الشراكة مع المغرب باعتباره بوابة استراتيجية نحو إفريقيا ومنصة صناعية ولوجستية متقدمة تربط بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي
كما أن الرسالة الملكية الموجهة إلى الرئيسة المنتخبة حملت بدورها دلالات سياسية واضحة إذ لم تقتصر على التهنئة وإنما أكدت الرغبة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة متعددة الأبعاد وهو ما يعكس حرص المغرب على تحويل التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي واستثماري وثقافي طويل الأمد بما يخدم مصالح البلدين ويعزز حضورهما داخل الفضاءين الإفريقي واللاتيني
ومن منظور أوسع فإن الموقف البيروفي يضيف ثقلا جديدا للمسار الذي تقوده الأمم المتحدة ويعزز القناعة الدولية بأن الحل الواقعي للنزاع لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي
كما يوجه رسالة إلى الأطراف الأخرى بأن المجتمع الدولي بات يميل بصورة متزايدة إلى دعم الحلول البراغماتية القابلة للتنفيذ بعيدا عن الطروحات التي أثبتت عقود من المفاوضات عدم قابليتها للتحقق
وفي المحصلة يمثل إعلان الحكومة البيروفية المقبلة دعما سياسيا ودبلوماسيا جديدا يعزز الرصيد الدولي للمغرب في قضية الصحراء ويؤكد أن استراتيجية المملكة القائمة على التحرك الهادئ وتوسيع شبكة الشراكات وربط التعاون الاقتصادي بالمصداقية السياسية تواصل تحقيق نتائج ملموسة
كما يعكس أن ملف الصحراء يشهد تحولا متواصلا في ميزان المواقف الدولية حيث أصبح التأييد لمبادرة الحكم الذاتي يتوسع تدريجيا داخل مختلف القارات بما يعزز موقع المغرب في مسار التسوية الأممية ويكرس حضوره كشريك إقليمي يحظى بثقة متزايدة على الساحة الدولية

