قاضي التحقيق في قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23: التحصين الإجرائي بين النجاعة الزجرية والسيادة الحقوقية.
في كل مرة يعيد فيها المشرع الجنائي ترتيب قواعد التحقيق الإعدادي، فإنه يعيد، بصورة غير مباشرة، رسم الحدود الدقيقة الفاصلة بين سلطة الدولة وحرية الإنسان، بين سلطان الاتهام وضمانات البراءة، بين القبضة الزجرية وهيبة الردع، وبين الأمن القضائي والحصانة الحقوقية. ولذلك، فإن قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23 لم يأتِ باعتباره مجرد تعديل إجرائي محدود، أو مراجعة تقنية لبعض المقتضيات الشكلية، وإنما جاء محملاً بتحولات عميقة تمس البنية الفلسفية للعدالة الجنائية المغربية، خصوصاً داخل مؤسسة قاضي التحقيق التي ظلت، لعقود طويلة، واحدة من أكثر المؤسسات القضائية حساسيةً وتعقيداً وخطورة.
ومن الثابت أن التحقيق الإعدادي يمثل أخطر مرحلة داخل الدعوى العمومية، لأنه المرحلة التي يتحول فيها الاشتباه إلى اتهام، وتتحول فيها المحاضر إلى قرائن، ويتحول فيها الإنسان من مجرد اسم داخل وثيقة أمنية إلى ذات تواجه سلطة الاستنطاق والتحري والتمحيص. ولذلك، فإن المشرع حين يقرر توسيع ضمانات هذه المرحلة أو إعادة ضبط صلاحياتها، فإنه يكون بصدد إعادة تعريف معنى العدالة نفسها.
لقد حاول قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23 أن يؤسس لما يمكن تسميته بـ”التحصين الإجرائي المتوازن”، أي بناء منظومة جنائية تجمع بين الصرامة الزجرية واليقظة الحقوقية، وبين النجاعة القضائية والرقابة القانونية، وبين الرقمنة الإجرائية والحماية الإنسانية. ومن هنا جاءت المادة 52 باعتبارها من أكثر المواد دلالة على هذا التحول العميق، حين نصت بشكل صريح على أن تعيين القضاة المكلفين بالتحقيق يتم من بين قضاة الحكم والمستشارين، بقرار من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، باقتراح من المسؤولين القضائيين، سواء رئيس المحكمة الابتدائية أو الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، وذلك لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
ولا شك أن هذا المقتضى يتجاوز البعد الإداري البسيط، لأنه يكرس استقلال قاضي التحقيق ويمنحه شرعية قضائية مضاعفة داخل الهرم القضائي. فاختيار القاضي المكلف بالتحقيق من بين قضاة الحكم والمستشارين يعكس إرادة تشريعية واضحة تهدف إلى إضفاء الصفة القضائية الكاملة على التحقيق الإعدادي، حتى لا يتحول إلى مجرد امتداد غير مباشر لسلطة الاتهام أو البحث التمهيدي.
ولغوياً، فإن استعمال فعل “يعين” بصيغة المضارع يحمل دلالة الاستمرارية والثبات المؤسساتي، بينما يعكس ربط التعيين باقتراح المسؤولين القضائيين نوعاً من الانسجام التدبيري داخل البنية القضائية، بما يضمن اختيار قضاة يمتلكون الكفاءة والخبرة والقدرة على تدبير الملفات الجنائية المعقدة والمركبة والمتشعبة.
أما فقهياً، فإن هذا المقتضى يكرس استقلال قاضي التحقيق ويؤكد فلسفة الفصل بين الوظائف القضائية، خصوصاً وأن القانون يمنع هؤلاء القضاة من المشاركة في إصدار الحكم في القضايا التي سبق لهم أن باشروا التحقيق فيها، تحت طائلة البطلان. وهي نقطة شديدة العمق، لأن القاضي الذي يحتك بالوقائع والقرائن والتصريحات ومحاضر الضابطة القضائية قد تتشكل لديه قناعة ذهنية مسبقة، ولذلك تدخل المشرع لحماية حياد المحكمة من أي أثر نفسي سابق. إنها عدالة لا تكتفي بمراقبة الوقائع، وإنما تراقب حتى المسارات الخفية للاقتناع القضائي.
وفي المادة 83، يظهر واحد من أخطر التحولات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23، بعدما جعل التحقيق في الجنايات اختيارياً كقاعدة عامة، بعدما كان إلزامياً في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد. أما في الجنح، فلا يفتح التحقيق إلا بنص خاص أو اختيارياً في جرائم دقيقة مثل الرشوة وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية.
وهذا التحول يعكس انتقال العدالة المغربية من منطق “الإلزام الإجرائي الجامد” إلى منطق “الانتقاء الزجري المرن”، أي منح النيابة العامة سلطة تقديرية لتقييم الحاجة الفعلية إلى التحقيق بناءً على طبيعة الجريمة وتعقيدها وخطورتها التقنية أو المالية.
ولغوياً، فإن مصطلح “اختيارياً” يقابله فقهاً مفهوم “السلطة التقديرية”، وهو ما يمنح جهاز الاتهام هامشاً واسعاً لتكييف المسطرة مع خصوصية كل ملف. أما فلسفياً، فإن هذا التوجه ينسجم مع فلسفة النجاعة القضائية التي تهدف إلى تخفيف الضغط عن قضاة التحقيق، وتفادي التضخم المسطري الذي كان يحول بعض الملفات إلى نزيف زمني مفتوح داخل المحاكم.
ومن جهة أخرى، فإن هذا المستجد يعكس بروز ما يمكن تسميته بـ”الحكامة الجنائية الانتقائية”، أي تركيز التحقيق الإعدادي على الجرائم المعقدة والعابرة للحدود والتكنولوجيا والمال، بدل استنزاف مؤسسة التحقيق في ملفات بسيطة محدودة التأثير الجنائي.
أما المادة 84، فقد جاءت بمقتضى حقوقي بالغ الحساسية، حين أجازت إجراء التحقيق ضد شخص معين أو مجهول، مع التنصيص على أنه في حالة التحقيق ضد مجهول، لا يمكن الاستماع لأي شخص إلا بصفته شاهداً، مع منحه الحق في الاستعانة بمحام.
ولا شك أن هذا المقتضى يضع حداً لما يمكن وصفه بـ”الاشتباه المقنع”، أي تحويل بعض الأشخاص إلى متهمين فعليين دون تمتيعهم بالضمانات القانونية المقررة للمتهم. ولذلك، فإن المادة 84 تعيد الاعتبار لقرينة البراءة وتمنع التوسع غير المشروع في الاشتباه الجنائي.
أما تمكين الشاهد من الاستعانة بمحام، فهو من أكثر المقتضيات دلالة على تطور الفكر الحقوقي داخل قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23، لأن العدالة الحديثة أصبحت تدرك أن الخطر الإجرائي قد يهدد حتى الشاهد نفسه، خصوصاً في الجرائم المالية والرقمية وشبكات غسل الأموال والفساد والجريمة المنظمة.
وفي المادة 87، تتجلى بوضوح النزعة الإنسانية داخل السياسة الجنائية الجديدة، بعدما أوجب المشرع إجراء بحث اجتماعي حول شخصية المتهم وحالته العائلية، خصوصاً بالنسبة للشباب دون سن العشرين، مع استحداث مكتب للمساعدة الاجتماعية للقيام بهذه المهام.
هذا المقتضى ينقل العدالة الجنائية من منطق العقوبة المجردة إلى منطق الفهم الاجتماعي والنفسي للجريمة. فالمتهم لم يعد مجرد رقم داخل ملف زجري، وإنما أصبح ذاتاً اجتماعية ونفسية تحيط بها ظروف اقتصادية وعائلية قد تكون جزءاً من تفسير السلوك الجرمي نفسه.
ولغوياً، فإن عبارة “إعادة إدماج المتهم في المجتمع” تكشف تحولاً عميقاً داخل المعجم الزجري المغربي، حيث انتقلت لغة القانون من مفردات الردع والإيلام والعقاب الصرف إلى مفردات الإصلاح والتأهيل والتقويم. إنها عدالة تحاول إعادة بناء الإنسان، لا فقط إخضاعه للعقوبة.
كما أن المادة نفسها أدخلت مفهوماً جديداً يتمثل في “البحث المالي الموازي”، وهو من أبرز المفاهيم المستحدثة داخل السياسة الجنائية المغربية الحديثة، ويقصد به تتبع عائدات الجريمة وتجميدها، مع مراعاة حقوق الأغيار حسني النية. وهذا المصطلح يعكس انتقال الدولة من مواجهة الجريمة التقليدية إلى محاصرة الامتدادات الاقتصادية والمالية للشبكات الإجرامية، لأن الجريمة الحديثة لم تعد تختبئ داخل الأزقة الضيقة فقط، وإنما أصبحت تتحرك داخل الحسابات البنكية والتحويلات والأصول الرقمية والشركات الوهمية.
أما المواد 117 و119 و123 و133، فقد دشنت فعلياً مرحلة الرقمنة الإجرائية داخل التحقيق الإعدادي. فقد أجازت المادة 117 التبليغ والاستدعاء بأي وسيلة اتصال تترك أثراً كتابياً أو تقنية إلكترونية، بينما مكنت المادة 133 من الاستماع إلى أعضاء الحكومة وممثلي الدول الأجنبية عبر تقنية الاتصال عن بعد.
وهنا تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ”السيادة القضائية الرقمية”، حيث لم تعد العدالة الجنائية رهينة الورق والتنقلات والإجراءات الكلاسيكية الثقيلة، وإنما أصبحت منفتحة على الوسائط الإلكترونية الحديثة وآليات التواصل الرقمي.
كما أن عبارة “تترك أثراً كتابياً” جاءت بصياغة قانونية مرنة تستوعب البريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة الحديثة وكل وسيلة إلكترونية قابلة للإثبات، وهو ما يعكس وعياً تشريعياً بضرورة مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة.
أما استبدال مصطلح “الوزير الأول” بعبارة “رئيس الحكومة”، فيحمل دلالة دستورية ولسانية مرتبطة بملاءمة النص الجنائي مع التحولات التي جاء بها دستور 2011.
وفي المادة 123، أعفى المشرع الضحية وأصول المتهم وفروعه وزوجه من أداء اليمين القانونية، وهو مقتضى يعكس وعياً تشريعياً بطبيعة الروابط الإنسانية والعائلية، لأن العدالة تدرك أن القرابة قد تجعل اليمين عبئاً نفسياً وأخلاقياً شديد القسوة.
أما المواد 134 و139 و140، فقد شكلت قلب الحماية الحقوقية داخل التحقيق الإعدادي، بعدما أصبح قاضي التحقيق ملزماً بإشعار المتهم بحقه في الصمت وحقه في الاستعانة بمحام، مع تعيين هذا الأخير في إطار المساعدة القضائية إن طلب ذلك.
والحق في الصمت هنا ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما قاعدة دستورية وفلسفية تمنع إجبار الإنسان على تقديم دليل ضد نفسه، وتؤسس لما يمكن وصفه بـ”الحصانة ضد الإكراه الاعترافي”.
كما أن رفع أجل استدعاء المحامي إلى عشرة أيام على الأقل قبل الاستنطاق، وتمكينه من نسخ الملف ورقياً أو إلكترونياً، يحقق توازناً حقيقياً بين الدفاع والاتهام، ويضع حداً لذلك الجدل الفقهي الذي كان يحصر دور المحامي في مجرد الاطلاع المحدود على الملف دون امتلاك نسخ فعلية منه.
وفي المواد من 216 إلى 220، يصل قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23 إلى ذروة الإنصاف الإجرائي، حين أجاز لقاضي التحقيق، عند صدور أمر بعدم المتابعة، أن يأمر بنشر هذا القرار في الصحف أو الوسائل السمعية البصرية.
ولا شك أن هذا المقتضى يتجاوز البعد الشكلي، لأن الإنسان قد يغادر المحكمة بريئاً، بينما تبقى سمعته محاصرة داخل ذاكرة المجتمع. ولذلك، فإن نشر قرار عدم المتابعة يتحول إلى وسيلة لرد الاعتبار المعنوي، وإلى آلية قانونية لترميم الصورة الاجتماعية التي قد تتعرض للتشويه تحت ضغط الاشتباه والإشاعة والمحاكمة الرمزية داخل الرأي العام.
إن القراءة المتأنية لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23 تكشف أن قاضي التحقيق لم يعد مجرد سلطة لاستنطاق المتهمين وتجميع الأدلة، وإنما أصبح حارساً للحماية الإجرائية، ومنتجاً للأمن القضائي، وضامناً للتوازن الحقوقي، وفاعلاً محورياً داخل منظومة الحكامة الجنائية الحديثة.
إنها عدالة تحاول أن تكون حازمة دون افتراس للحقوق… زجرية دون تعسف… رقمية دون تجريد الإنسان من ضماناته… وسريعة دون التضحية بروح المحاكمة العادلة.

