بوزنيقة.. ملف أسواق القرب يعود للواجهة نموذج الشراط يلوح في الأفق وشبح مكزاز يفرض التغيير
يستعد المشهد التدبيري بالمغرب لغليان من نوع خاص، حيث تضع أغلب الجماعات الترابية على طاولة دوراتها المقبلة نقطة ساخنة تتعلق بهيكلة تجار الرصيف، هذا التحرك لا يهدف فقط إلى تحرير الملك العمومي، بل يسعى لتنزيل رؤية الدولة 2030 لدمج الباعة الجائلين في أسواق عصرية تزاوج بين الاستقرار القانوني والتحول الرقمي الشامل.
وفي هذا السياق الميداني، عادت ملفات أسواق القرب بمدينة بوزنيقة إلى واجهة النقاش العمومي كإجراء إداري لكسر جمود طال أمده فوق أرضٍ أثارت وضعيتها القانونية والمسطرية الكثير من الجدل وتأتي مصادقة المجلس الجماعي لبوزنيقة، في دورته الاستثنائية المنعقدة اليوم الثلاثاء 24 مارس، على دفتر التحملات الجديد، كاستجابة متأخرة لإنهاء حالة “الانتظار” التي شلت القطاع التجاري، في انتظار التأشيرة النهائية للسلطة الإقليمية.
تأتي هذه الخطوة كمحاولة لامتصاص غضب الباعة، لكنها تظل منقوصة ما لم تستلهم نموذج “جماعة الشراط” المجاورة، التي نجحت في إرساء سوق عصري بمواصفات رفيعة يمثل اليوم الحل الأمثل والوحيد لإنهاء العشوائية بالإقليم ، إن نجاح تجربة الشراط يضع جماعات (بوزنيقة والمنصورية) أمام تساؤلات ملحة حول غياب التنسيق لدمج تجار الرصيف ورواد “سوق الأربعاء” العشوائي (مكزاز) ضمن أقطاب تجارية مجهزة؛ فاستمرار مظاهر الفوضى في “مكزاز” لم يعد مقبولا، خاصة وأن المنطقة مقبلة على احتضان تظاهرات دولية كبرى تفرض واجهة عمرانية وتجارية مهيكلة تليق بحجم الرهانات العالمية القادمة.
في المقابل، يبرز صوت المهنيين كمرآة للواقع؛ حيث شدد لعويسي عبد الرحيم، المسؤول النقابي بالاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، على ضرورة أن تواكب هذه الهيكلة حلول واقعية. ويرى لعويسي أن نجاح أسواق القرب رهين بمراعاة القدرة الشرائية للتاجر عبر سومة كرائية منصفة، مؤكداً على أهمية العدالة المجالية لتفادي عزل الأسواق في الهوامش، مع توفير مواكبة تقنية ميدانية لتمكين التجار من الانخراط في ورش الرقمنة 2030 لضمان انتقال لا يقصي الفئات غير المتمكنة تكنولوجياً.
هذه المطالب النقابية تتقاطع مع فلسفة الدولة التي تراهن، عبر وزارة الصناعة والتجارة، على تحويل هذه الأسواق إلى “نقط ذكية” تعتمد الأداء الإلكتروني وتدبير المخزون رقمياً، غير أن هذا الطموح يصطدم بضبابية الإطار القانوني للعقود؛ فالمصادقة على دفاتر التحملات تثير جدلا حول طبيعة عقد الاستغلال، هل هو “احتلال مؤقت” يسهل إلغاؤه، أم كراء تجاري يضمن الحق في الأصل التجاري؟ هذا الغموض هو ما يمنع التاجر من استثمار إمكانياته أو الحصول على قروض بنكية لتطوير نشاطه.
إن ما تشهده بوزنيقة اليوم ليس مجرد عملية نقل باعة، بل هو صياغة لعقد اجتماعي واقتصادي جديد، نجاحه يتوقف على معادلة ثلاثية الأبعاد، جماعات توفر بيئة قانونية آمنة على غرار نموذج الشراط، ودولة توفر البنية الرقمية، وتجار يمتلكون الرغبة في التطور، وبدون هذا التكامل، ستظل الرقمنة شعاراً معلقاً، ويظل الرصيف الملاذ الوحيد في ظل غياب بدائل مؤسساتية حقيقية.

