الانتفاضة الشعبية 1944 محطة بارزة في مسلسل الكفاح الوطني
يخلد الشعب المغربي ومعه نساء ورجال الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير أيام 29 و30 و31 يناير 2021 الذكرى 77 للانتفاضة الشعبية، التي اندلعت تأييدا لحدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، واستنكارا لحملات القمع والتنكيل والاعتقالات التي أقدمت عليها سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية لاستهداف زعماء وقادة الحركة الوطنية ومناضليها وعموم أبناء الشعب المغربي إثر تقديم هذه الوثيقة التاريخية المجسدة لإرادة العرش والشعب والميثاق التاريخي لنضالهما البطولي في سبيل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية.
ففي مثل هذه الأيام من سنة 1944، خرجت حشود الجماهير الشعبية من قلب مدينة الرباط منددة بإقدام سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية على اعتقال زعماء الحركة الوطنية، وقد بلغ صدى هذه المظاهرات ولي العهد آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه وهو بداخل المعهد المولوي، فتخطى سوره والتحق بصفوف المتظاهرين.
وقـد عبر جلالتـه طيـب الله ثراه عن ارتسامـاتـه عن ذلـك اليوم بقوله: “هناك تاريخ مضبوط ظل عالقا بذاكرتي هو 29 يناير 1944. في ذلك اليوم، اكتسح جمهور من المتظاهرين شوارع الرباط، مرددين شعارات المطالبة بالاستقلال، وبلغني صدى هذه المظاهرات وأنا داخل المعهد المولوي، فتخطيت سوره، والتحقت بالمتظاهرين. وأضاف رحمه الله مبرزا الأثر القوي لهذا الحدث التاريخي حيث قال: “لقد ترك يوم 29 يناير بصماته بعمق في ذاكرتي، كان معي يومئذ ثلاثة من رفاقي في المعهد، وكنا نصيح بصوت واحد: سنحصل على الاستقلال”.
وأمـام حملات القمع والملاحقات والمضايقات للسلطات الاستعمارية التي تلت حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، ألح بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه على الإفراج عن المعتقلين جميعهم، لكن سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية استغلت مقتل أحد الأوروبيين لتطوق المدينة وتقوم بإنزال قواتها، وأطلقت النار على المتظاهرين الذين دافعوا عن أنفسهم بكل شجاعة واستماتة، مما خلف شهداء رووا بدمائهم الزكية شجرة الحرية والاستقلال، ومعتقلين صدرت في حقهم أشد الأحكام وأقساها.
وكان لمدينة سلا دور بارز في هذه الانتفاضة العارمة التي اندلعت في مواجهة الغطرسة الاستعمارية، وتأييدا لمبادرة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، ودفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية، حيث هب وطنيون أفذاذ من هذه المدينة في انتفاضة تاريخية عارمة، مخترقين شوارعها، متحدين قوات الاحتلال وهجومها الشرس عليهم والذي أدى إلى سقوط شهداء أبرار وهبوا أرواحهم فداء للوطن، تغمدهم الله بواسع رحمته، وأسكنهم فسيح جناته.
واتسعت دائرة هذه الانتفاضة الشعبية، وامتدت المظاهرات لتشمل سائر المدن المغربية، كفاس التي شهدت سقوط عشرات الشهداء والجرحى، ومكناس ومراكش وازرو وغيرها من المدن. وتسارعت الأحداث لتحتدم المواجهات بين القصر الملكي وسلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية، إذ أقدمت سلطات الحماية في 20 غشت 1953 على نفي بطل التحرير والاستقلال وأسرته الشريفة في محاولة يائسة لإخماد الروح الوطنية، مما أجج شعلة الكفاح الوطني لتنطلق المقاومة المسلحة والمظاهرات العارمة وعمليات جيش التحرير إلى أن تحققت إرادة العرش والشعب، وعاد رمز المقاومة والتحرير جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه مظفرا منصورا، من المنفى إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، رفقة شريكه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه والأسرة الملكية الشريفة، حاملين بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وإشراقة شمس الحرية والاستقلال.
وقد حظيت هذه الملحمة الوطنية العظيمة والمحطة التاريخية الخالدة في مسيرة كفاح الشعب المغربي من أجل الحرية والاستقلال، بعناية موصولة واحتفاء دائم ومستمر، ومن ذلك تنظيم مهرجان كبير بمناسبة الذكرى الخمسين لها تحت الرعاية الملكية السامية حيث تفضل جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، فأناب عنه سمو ولي العهد آنذاك، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لإزاحة الستار يوم 29 يناير 1994 عن اللوحة التذكارية المقامة تخليدا لأحداث يوم 29 يناير 1944 بساحة مسجد السنة بالرباط، والترحم على الشهداء الميامين لهذه الملحمة الخالدة، وتكريم أسمائهم إكبارا لتضحياتهم الجسام وخدماتهم الجلى دفاعا عن عزة الوطن وكرامته.
وإن أســرة الحركــة الوطنيـة والمقاومـة وجيـش التحريـر، إذ تخلـد الذكـرى 77 للانتفاضـة الشعبيـة ل 29 و30 و31 يناير 1944، في أجواء من الحماس الوطني والتعبئة الشاملة لتؤكد على واجب الوفاء والبرور بالذاكرة التاريخية الوطنية وبرموزها وأعلامها وأبطالها الغر الميامين. وهي في ذات الوقت، تحرص على إيصال الرسائل والإشارات القوية وإشاعة رصيد القيم والمثل العليا ومكارم الأخلاق في أوساط وصفوف الشباب والناشئة والأجيال الجديدة والقادمة لتتشبع بأقباسها وتغترف من ينابيعها، ما به تتقوى فيها الروح الوطنية وحب الوطن والاعتزاز بالانتماء الوطني لمواصلة مسيرات الحاضر والمستقبل تحت القيادة المتبصرة والحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لبناء وإعلاء صروح المغرب الجديد، مغرب الحداثة والديمقراطية والتنمية الشاملة والمستدامة والتضامن والتكافل الاجتماعي.
والمناسبة سانحة لأسرة المقاومة وجيش التحرير لتعبر عن اعتزازها الكبير وثقتها الموصولة في القيادة الحكيمة والمتبصرة والمقدامة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، وما أثمرت من إنجازات تاريخية وتحولات إستراتيجية تشهدها قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية المقدسة، أسفرت عن إعلان القرار التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراف بالسيادة التامة والكاملة للمملكة المغربية على صحرائها، والذي يُشكل لحظة حاسمة ومفصلية في مسار النزاع الإقليمي المُفتعل والذي يسعى خصوم وحدتنا الترابية إلى تأبيده ضدا على الحقائق التاريخية التي تشهد على أن الصحراء كانت مغربية وستظل مغربية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
كما ترحب بقرار الولايات المتحدة الأمريكية القاضي بفتح قنصلية لها بمدينة الداخلة تضطلع بمهام اقتصادية من أجل تشجيع الاستثمارات الأمريكية والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية لفائدة ساكنة أقاليمنا الجنوبية، بما من شأنه تعزيز الدينامية الديبلوماسية بفتح العديد من القنصليات بالصحراء المغربية والبالغ تعدادهاإلى اليوم 19 قنصلية، 9 منها بمدينة الداخلة و10 بمدينة العيون؛ وفتح آفاق جديدة كفيلة بتعزيز وتقوية الموقف المغربي في الأوساط الدولية، يزيد من عزلة خصوم الوحدة الترابية، ويسهم في مواجهة مناوراتهم ومؤامراتهم الرامية إلى التشويش ومحاولة النيل من الحقوق المشروعة لبلادنا.
واحتفاء بهذه المناسبة الوطنية الخالدةبما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإجلال والإكبار، ستنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم الجمعة29 يناير 2021 على الساعة الرابعةوالنصفعصرابفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بسلا، احتفالية رمزية، ستلقى خلالها كلمات حول هذا الحدث التاريخي الخالد والطافح بالدروس والعبر التي يتوجب استحضارها لتنوير أذهان الناشئة والأجيال الجديدة بمضامينها وعظاتها ورسائلها النبيلة في مسيرات الحاضر والمستقبل.
كما سيتم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير المنتمين لعمالة سلا وتوزيع إعانات مالية واجتماعية على عدد من أفراد أسرة المقاومة وجيش التحرير المستحقين للدعم المادي والرعاية الاجتماعية.
وسيتم قبل ذلك، على الساعة الثالثة بعد الزوال، تنظيم وقفةترحم على أرواح شهداء انتفاضة 29 يناير 1944 أمام اللوحة التذكارية المخلدة لحدث 29 يناير 1944 بساحة مسجد السنة بالرباطوبمقبرة سيدي بنعاشر بسلا.
ومعلوم أن تنظيم برنامج تخليد هذه الذكرى سيتم في تقيد والتزام تام بضوابط وقواعد التباعد الاجتماعي والتدابير الاحترازية والسلامة الصحية التي توصي بها التوجيهات الحكومية.

