الملك محمد السادس… حين تُختزل الحكمة في خطاب: رسالة الدولة والثقة والتاريخ

الملك محمد السادس… حين تُختزل الحكمة في خطاب: رسالة الدولة والثقة والتاريخ

في قراءته للخطاب الملكي الأخير، أكد الدكتور طلوع عبدالإله أن اللحظة السياسية التي جاء فيها الخطاب ليست عادية، بل تحمل في عمقها إشارات قوية إلى أن المغرب قد دخل مرحلة جديدة من النضج الدبلوماسي والوضوح الاستراتيجي. فالمغرب، كما يقول، لم يعد يكتفي بردود الأفعال، بل بات هو من يحدد الإيقاع السياسي والدبلوماسي في المنطقة، من خلال خطاب يجمع بين الثقة في النفس والهدوء في الموقف.

وشدد الباحث في العلوم السياسية على أن تأكيد جلالة الملك على مبادرة الحكم الذاتي كإطار وحيد للتفاوض يمثل تتويجاً لمسار طويل من الواقعية السياسية المغربية، القائمة على مبدأ “الحل في إطار السيادة”. فالمبادرة المغربية ليست مجرد مقترح إداري، بل هي مشروع وطني يستند إلى منطق الدولة الحديثة التي توازن بين احترام الخصوصية المحلية وضمان الوحدة الوطنية.

ونوه طلوع عبدالإله بما تضمنه الخطاب من دعوة صريحة إلى الحوار مع الجزائر، معتبراً أن هذه المبادرة الملكية تحمل بعداً إنسانياً وتاريخياً عميقاً، لأنها تُخرج الخلاف من منطق التوتر إلى منطق العقل. فالدعوة إلى تجاوز الخلافات ليست ضعفاً، بل تعبير عن وعي عميق بمصير مشترك، وعن إرادة ملكية صادقة لطي صفحة الماضي وبناء مستقبل مغاربي جديد.

وأوضح الباحث أن الخطاب الملكي اتسم بثلاث خصائص أساسية: أولها الثبات على المبدأ الوطني في ما يتعلق بالصحراء المغربية، وثانيها الانفتاح على الحوار المسؤول مع الجيران، وثالثها الإصرار على أن التنمية الداخلية تبقى الوجه الآخر للدفاع عن السيادة. فالمغرب اليوم، بحسب تعبيره، لا يدافع عن الصحراء بالسلاح أو بالشعارات، بل بالاستثمار والتنمية والمشاريع الكبرى التي حولت الأقاليم الجنوبية إلى فضاء للنمو والكرامة.

وأشار طلوع إلى أن الملك محمد السادس قد أعاد تعريف الدبلوماسية المغربية من خلال هذا الخطاب، إذ جعلها دبلوماسية الفعل لا الانتظار، دبلوماسية المبادرة لا الردّ. فالدولة المغربية، وفقاً لرؤيته، لا تتعامل مع النزاع كمشكل حدودي، بل كقضية هوية وانتماء وشرعية تاريخية موثقة بالبيعة والروابط القانونية والوجدانية بين العرش والشعب في الصحراء.

وأكد الباحث في العلوم السياسية أن الخطاب الملكي وجّه رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج في الآن نفسه. فعلى الصعيد الداخلي، ذكّر المغاربة بوحدة الصف وثبات الموقف حول القضية الوطنية. وعلى الصعيد الخارجي، بعث رسالة طمأنة إلى المجتمع الدولي مفادها أن المغرب شريك موثوق، يعتمد الواقعية والعقلانية في إدارة النزاعات.

واعتبر طلوع أن العبارات التي استعملها الملك كانت مدروسة بعناية، إذ جمعت بين الصرامة واللباقة، وبين الدبلوماسية والوضوح. فحين يقول جلالته إن “مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الوحيد للتفاوض”، فإنه لا يغلق الباب، بل يضع سقفاً سيادياً للحوار، يحمي الثوابت ويتيح في الوقت نفسه فرص الحل العادل والمستدام.

وأضاف أن الخطاب، من جهة أخرى، جاء حاملاً بعداً وجدانياً ووحدوياً، فقد استحضر روح المسيرة الخضراء وما تمثله من قيم التضامن والوحدة والولاء للوطن. وهي إشارة، كما يرى طلوع، إلى أن معركة الصحراء لم تعد فقط سياسية أو دبلوماسية، بل هي معركة قيم وهوية وانتماء.

وأجمع المتتبعون – كما ينقل الباحث – على أن الخطاب الملكي شكّل لحظة إجماع وطني جديدة، لأنه خاطب في المغاربة شعورهم الجمعي بالانتماء، وفي العالم لغة المنطق والمسؤولية. فالمغرب اليوم، بفضل هذه الرؤية المتبصّرة، لا يدافع عن نفسه فقط، بل يقدم نموذجاً لدولة تجمع بين العمق التاريخي والحداثة السياسية.

وختم الدكتور طلوع عبدالإله تحليله بالتأكيد على أن الخطاب لم يكن مجرد توجيه سياسي، بل وثيقة سيادية جديدة تؤسس لمرحلة ما بعد الجدل، وما بعد النزاع المفتعل. فالمغرب اليوم، كما يقول، يملك قوة الموقف وشرعية التاريخ، ويمتلك قبل ذلك حكمة قائدٍ آمن بأن السيادة لا تُفرض، بل تُبنى بالثقة والوحدة والإنجاز.

إنها – كما لخّص الباحث – لحظة تتويج لمسار من الوضوح الملكي والعقل المغربي: خطاب يزرع الأمل في النفوس، ويرسم للمغرب موقعه بين الأمم بثقة، ويذكّر العالم أن الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *