طلوع عبدالإله لـ “المجلة 24”: مشروع قانون المالية 2026… بين رهانات الدولة الاجتماعية وأفق “المغرب الصاعد”

طلوع عبدالإله لـ “المجلة 24”: مشروع قانون المالية 2026… بين رهانات الدولة الاجتماعية وأفق “المغرب الصاعد”

في خضم النقاش الوطني المتنامي حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، وما أثاره من تفاعلات وتحليلات بشأن مضامينه وتوجهاته الكبرى، تتبدى بوضوح إرادة الدولة في الانتقال من منطق التدبير المالي التقني إلى منطق الرؤية الاستراتيجية التنموية، وفق ما أكده الدكتور طلوع عبدالإله، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، والمتخصص في قضايا الشباب، في تصريح خصّ به موقع “المجلة 24”.

يرى طلوع أن المشروع لا يمكن اختزاله في كونه مجرد وثيقة مالية سنوية، بل هو نص سياسي-اقتصادي يعكس التحول البنيوي في رؤية الدولة لمفهوم التنمية، من خلال تنزيل فعلي لمقتضيات النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس، وتجسيد واضح لمفهوم “المغرب الصاعد” كأفق استراتيجي شامل.

ويطرح طلوع سؤالًا جوهريًا على النقاش العمومي: هل استطاع مشروع قانون المالية 2026 أن يترجم فعليًا التحول نحو العدالة الاجتماعية والمجالية، أم ما زال محكومًا بمنطق الاستمرارية المالية التقليدية؟
فالمشروع، كما يؤكد، يعكس التوجيهات الملكية الأخيرة التي شددت على جعل العدالة الاجتماعية والمجالية محورًا لكل السياسات العمومية، بما يضمن توازن الجهود التنموية بين الجهات، ويحدّ من الفوارق بين المجالين الحضري والقروي.

ويضيف الباحث أن الوثيقة المالية الجديدة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين استدامة المالية العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهو توازن صعب لكنه ضروري. فالسؤال المطروح هنا: كيف يمكن ضمان العدالة في توزيع الموارد دون المساس بالاستقرار الماكرو-اقتصادي للدولة؟

ويشير طلوع إلى أن المشروع يكرس التحول نحو جودة النمو بدل كميته، من خلال إعادة توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية والمجالات ذات القيمة المضافة العالية، مع تعزيز مبدأ الإنصاف الترابي باعتباره أحد الأعمدة الجوهرية في شرعية الفعل العمومي الجديد.

وفي محور الاستثمار، يبرز الدكتور طلوع أن مشروع قانون المالية 2026 يترجم الإرادة الملكية في جعل القطاع الخاص قاطرة حقيقية للنمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل، عبر إجراءات ملموسة لتفعيل ميثاق الاستثمار، وتطوير عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، ما من شأنه تعزيز مكانة المغرب كفاعل إقليمي في الطاقات النظيفة.
لكن، يضيف الباحث، هل تستطيع البنيات الإدارية والمؤسساتية الحالية مواكبة هذا الطموح الاستراتيجي؟ فنجاح المشروع لا يرتبط فقط بتخصيص الاعتمادات، بل أيضًا بقدرة المنظومة العمومية على التفعيل الفعّال والشفاف.

وفي جانب دعم المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، يشير طلوع إلى أن المشروع خصص لها آليات جديدة للمواكبة المالية والتقنية، بهدف تمكينها من الاستثمار وخلق فرص الشغل خصوصًا في المجالات القروية وشبه الحضرية، وهنا يتساءل: هل تمكّنت السياسات العمومية فعلاً من تحويل هذه الفئة من المقاولات إلى فاعل تنموي، أم ما تزال ضحية تعقيدات بنيوية ونظامية؟

أما في ما يتعلق بـ التحول نحو الدولة الاجتماعية، فيعتبر طلوع أن تخصيص غلاف مالي يقارب 140 مليار درهم لقطاعي الصحة والتعليم، وإحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي جديد، يعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة التدبير العمومي، إذ لم يعد الهدف مجرد ضبط الحسابات، بل الاستثمار في الإنسان كرافعة مركزية للتنمية.

ويضيف أن هذه المقاربة الجديدة تمثل انتقالًا من منطق الإنفاق الاجتماعي إلى منطق البناء الاجتماعي، أي الاستثمار في الرأسمال البشري لضمان استدامة التنمية. فرفع مخصصات التعليم والصحة لا يعكس فقط إرادة مالية، بل هو إشارة إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية.

ويؤكد طلوع أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يندرج ضمن مسار التحول نحو نموذج الدولة التنموية الحديثة، التي تزاوج بين الاستدامة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
غير أن الرهان الحقيقي – كما يشير – لا يكمن في النصوص ولا في الأرقام، بل في قدرة الفاعلين العموميين على تفعيل الالتزامات وتجسيدها ميدانيًا، فهل ستتمكن الحكومة من الحفاظ على توازن هذا المسار الطموح؟ وهل ستنجح المؤسسات الترابية في تحويل العدالة المجالية من شعارٍ إلى ممارسة تنموية ملموسة؟

ويختم الباحث تصريحه بالتأكيد على أن مشروع قانون المالية 2026 ليس مجرد وثيقة محاسباتية، بل خطوة سياسية وتنموية عميقة في اتجاه “المغرب الصاعد”، القائم على ثلاثية: الاستدامة الاقتصادية، والإنصاف الاجتماعي، والعدالة المجالية، وهي معالم دولة المستقبل التي أرادها جلالة الملك، وجعلها أساسًا للنموذج المغربي في التنمية والديمقراطية الاجتماعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *