لا غالب ولا مغلوب… حين يفكك الملك شيفرة الصحراء ويعيد تعريف الصراع”

لا غالب ولا مغلوب… حين يفكك الملك شيفرة الصحراء ويعيد تعريف الصراع”
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في السياسة، الكلمات لا تُقال فقط… بل تُقاس وتُوزن وتُفكَّك، ولعل من يقرأ عبارة “لا غالب ولا مغلوب” في الخطاب الملكي الأخير خارج سياقها، قد يظن ـ عن سذاجة أو سوء نية ـ أنها تحوّل مفاجئ في موقف المغرب من قضية الصحراء. والواقع أن هذا النوع من التأويل السطحي يُسهم في طمس جوهر الخطاب بدل سبر أغواره، ويعكس عجزًا عن إدراك أن الدولة، حين تتحدث، فهي تُخاطب الداخل والخارج في آن، وتخاطب التاريخ والجغرافيا أيضًا.

الملك، وبلهجة لا تحتمل التأويل، أعاد تأكيد المبدأ الجوهري: السيادة على الصحراء ليست موضوع تفاوض، بل هي نقطة ارتكاز لكل تفاوض. وهي، كما جاء في الخطاب، مؤطرة بمبادرة الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية، مدعومة من القوى العظمى، ومكرسة في تحولات مواقف دولية وإقليمية تتوسع وتتعمق.

أما عبارة “لا غالب ولا مغلوب”، فقد وردت في سياق مغاير تمامًا: سياق دعوة إلى الحوار مع الجزائر، لا بشأن الصحراء، ولكن بشأن ما تبقى من “الأشواك الجغرافية” التي تركها الاستعمار وتحوّلت إلى عُقد سياسية.

هنا، يُنتج الخطاب الملكي تفكيكًا ذكيًا للصراع، مُميِّزًا بين ما لا يقبل النقاش (السيادة)، وما يجب أن يُفتح عليه النقاش (آفاق التعاون).

وبين السطر والآخر، يلمّح الخطاب إلى قضايا استراتيجية: الحدود المغلقة، المياه المشتركة، الأمن الطاقي، الربط اللوجستي، وحتى مشروع الربط الأطلسي-المتوسطي. هذه ليست قضايا بسيطة، بل هي ملفات تتقاطع فيها الجغرافيا بالجيوبوليتيك، وتُختبر فيها نوايا بناء مغرب-عربي جديد، أو استمرار حالة الجمود القاتلة.

إن منطق “لا غالب ولا مغلوب” هو، في جوهره، صيغة حضارية لتجاوز منطق “الرابح والخاسر” الذي أكلته الحروب القديمة، وابتلعته الخيبات الحديثة. وهو كذلك إعلان من الملك بأن المغرب ليس في خصومة مع الجزائر كشعب وتاريخ مشترك، وإنما في خلاف مع سياساتها العدائية، التي اختارت ـ لسبب ما ـ أن تراهن على الوهم بدل الواقع.

إننا بحاجة إلى قراءة الخطاب الملكي لا كبيان سياسي عابر، بل كمفصل من مفاصل إنتاج المعنى في الزمن الاستراتيجي للمملكة. خطاب يُصرّ على أن المغرب لا يُفاوض على وجوده، لكنه منفتح على تفاوض العقل والمصالح المشتركة في فضاءات ما بعد السيادة، وهذا هو مربط الفرس.

فالذين اختزلوا العبارة في مجرد شعار تصالحي، تناسوا أن الملك كان يكتب سطرًا جديدًا في معجم السياسة الخارجية المغربية: سطرًا يقول إن من لا يملك مشروعًا للتعاون، لا يحق له أن يعطّل مشروعًا قائمًا على السيادة والكرامة والتنمية.

فهل آن أوان أن تُقرأ الخطابات بعيون التاريخ لا بعناوين الوهم؟ وهل نُدرك، أخيرًا، أن الزمن المغربي الجديد لا ينتظر المترددين؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *