القانون 43.22 من السجن إلى البدائل المغرب يعيد كتابة معنى العقاب
في زمن لم تعد فيه المؤسسات السجنية قادرة على احتواء التكدس، ولا على ترويض ظاهرة العود، يتقدم القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة كأحد أكثر مشاريع السياسة الجنائية المغربية جرأة منذ سنوات. إنه ليس فقط قانونا تقنيا يعدل طبيعة العقوبة، بل هو إعلان ضمني عن فشل النموذج التقليدي في الردع والإصلاح، ومحاولة متأخرة نسبيا لاستعادة التوازن بين العقاب والكرامة.
لقد ظل السجن، لوقت طويل، هو الجواب الجاهز لكل انحراف. لكنه في كثير من الحالات لم يكن إلا حاضنة للانحراف ذاته. ففي غياب التكوين والتأهيل، وفي ظل الاكتظاظ والعنف المؤسساتي، تحولت المؤسسات السجنية من فضاء للإصلاح إلى فضاء لإعادة الإنتاج المعكوس للجريمة. من هنا، جاء هذا القانون الجديد ليعلن ضمنيا أن العقاب لا يقتضي بالضرورة السلب المطلق للحرية، بل قد يتحقق من خلال تدابير أكثر فاعلية وأقل ضررا، سواء للفرد أو للمجتمع.
يقترح القانون ثلاث بدائل للعقوبات السجنية القصيرة: العمل لأجل المنفعة العامة، الغرامات اليومية، والتدابير التقييدية للحرية كمنع التردد على أماكن معينة، أو الالتزام ببرنامج علاجي، أو عدم الاتصال بالضحية. من حيث المبدأ، تبدو هذه البدائل منسجمة مع التوصيات الحقوقية، وتعبر عن انتقال في فلسفة العقوبة من الردع إلى الإصلاح. لكنها تطرح في الآن ذاته سؤالا أكثر عمقا: هل نحن مستعدون لتطبيقها فعليا؟ وهل توجد لدينا الإدارة الجنائية، والمجتمع المدني، والبنية القانونية، القادرة على تنفيذ هذه التدابير وضمان فعاليتها؟ ثم، هل يقبل الرأي العام المغربي، الذي ما يزال يربط العقاب بالسجن، بهذا التحول في المفهوم؟
من أبرز ما يثير القلق هو إمكانية تحول العقوبات البديلة إلى أداة لتمييز اجتماعي مقنن. فالقدرة على أداء غرامات يومية، مثلا، ستتاح للطبقات الميسورة أكثر من الفئات الهشة، التي قد تترك لمواجهة السجن لا لشيء سوى لأنها عاجزة ماليا. وهكذا، قد نجد أنفسنا أمام عدالة بطبعتين: واحدة مرنة للذين يملكون القدرة على أداء الفدية القانونية، وأخرى صارمة لمن لا يملكون سوى أجسادهم لتسجن.
نجاح هذا الورش لا يقف عند حد التنصيص القانوني، بل يرتبط بعناصر أعمق: قضاء يمتلك الجرأة على تجاوز النظرة العقابية التقليدية، مؤسسات قادرة على احتضان وتنفيذ البدائل، وجماعات محلية ومجتمع مدني يدرك دوره كمكون رئيسي في إعادة الإدماج. أما الأهم من ذلك، فهو الحاجة إلى تغيير جذري في الثقافة القانونية والمجتمعية التي لا تزال تقدس السجن كأداة وحيدة للردع، وترى في البدائل نوعا من التساهل أو الخضوع لمطالب المنظمات الحقوقية الدولية.
إن العدالة الجنائية ليست فقط نصوصا تنقح وتعدل، بل هي رؤية شاملة للإنسان، ولعلاقته بالمجتمع، ولإمكانيات إصلاحه. والقانون 43.22، رغم ما يحمله من نفس تجديدي، لا يزال مهددا بأن يفرغ من محتواه إذا لم يرفق بإصلاحات موازية، في مقدمتها إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة القضائية، وتوفير الموارد البشرية والمالية الكفيلة بجعل هذه البدائل قابلة للتنفيذ على الأرض، وليس فقط على الورق.
إنها لحظة مفصلية في مسار العدالة المغربية: إما أن نؤمن بأن السجن لم يعد الحل الوحيد، ونبدع في تفعيل مسارات بديلة توازن بين حماية المجتمع وإصلاح الجاني، وإما أن نواصل الدوران في حلقة مفرغة من الزج، فالاكتظاظ، فالفشل، فالعود، إلى أن ينهك النظام العقابي نفسه وينهكنا معه.
ختاما، يمكن القول إن قانون العقوبات البديلة يمثل اختبارا حقيقيا لمدى جدية الدولة في تبني عدالة أكثر نجاعة وإنسانية. فإما أن يكون هذا القانون بداية لعدالة تعيد الاعتبار للإنسان، أو أن يصبح، كسابقاته، شاهدا على قدرة التشريع على الحلم وعجز المؤسسات عن الوفاء.

