افتتاحية مجلة 24: الأمن الحقيقي

افتتاحية مجلة 24: الأمن الحقيقي
بقلم فؤاد الجعيدي


الجائحة عرت ما يمكن تعريته، دفعة واحدة وبلا مساحيق. وفتحت عيوننا على أن المفهوم الحقيقي اليوم للأمن، هو الأمن الصحي للناس، والمرتبط أصلا بالحق في الحياة، أرواح كثيرة بات استمرار حياتها، في هذا الوجود لا يستدعي سوى البحث عن هواء مشبع بالأكسجين، كنا قبل الجائحة، نظن أننا في حاجة لمزيد من الترفيه، في ظل اشتداد ضغوط الحياة، ونحلم بفضاءات النزهة ومنتجعات المياه التي تضخ بقوة عبر مسارات ملتوية، وقاعات الشاي مؤثثة على شاكلة قاعات السهرات الليلية.
كل هذه المظاهر كانت خادعة، لما داهمنا الوباء، وغير من عادات الناس ودفع بهم، لعزلة قاسية واختيارية، وغدوا وجوها بلا ملامح ،وصاروا أكثرا تشابها بالكمامات التي يحملونها، ويسعون لإحداث فوارق فيها بالأشكال والألوان وإشهاريات الفرق الرياضية.
ثم استيقظنا على واقع جديد، لا حياة بدون أوكسجين للناس، الذين دمر الوباء أجهزتهم التنفسية، وباتوا مرتبطين في استمرار وجودهم الحياتي، لوجبات إنعاش مركزة داخل القاعات المغلقة والمحروسة بقوة.
المغرب بذل جهودا كبيرة، وقفزة نوعية في تحضير مستشفيات ميدانية، ودعم المستشفيات العمومية، بمزيد من أسرة الإنعاش الطبي. لكن كوفيد 19، كان في كل يوم ينبت ضحايا جدد. وتزداد الحاجة أكثر للعديد من غرف الإنعاش الطبي.
تجار الأزمات، سال لعابهم لهذه الفرصة الثمينة، مولدات الأوكسجين قفزت أثمانها لتدرك الملايين، بعدما كانت بالأمس مركونة على الواجهات، وبالعودة، للأسعار بموقع على بابا الصيني يكشف لنا عن حجم الغنى الذي بات يراكمه التجار، من المرضى الذين ينخرهم المرض، ونشطت بقوة آليات الطلب الحاد للمواطنين على أجهزة التنفس الاصطناعي ، في ظل سوق تؤكد شحة وجود هذه الأجهزة.
الأدوية هي الأخرى وبالأخص الفيتامينات التي ينصح بتناولها، باتت مفقودة والحصول عليها يحتاج إلى معارف وتدخلات وعلاقات.
إنها أزمة غير مسبوقة، تضرب الناس مثلما ضربتهم الجائحة. والحكومة عاجزة بكل مؤسسات المراقبة، على احتواء تداعيات هذه الأوضاع المقلقة. مثلما ظلت يدها مشلولة، إزاء المصحات الخاصة التي أعلنت عن أسعار للعلاجات لا عهد للمغاربة بها، والتي في غالب الأحيان ما تؤدى قبل الحصول عن الخدمة العلاجية والاستشفائية.
إن هذه الأوضاع اليوم جعلت من خيار خوصصة الصحة، خيارا خاطئا ويحتاج، لإعادة النظر في القناعات التي كان ترتب منذ وقت طويل بالدعوة، لأن ترفع الدولة يدها عن قطاع الخدمات الصحية، وتمنحها للخواص لتطويرها وتبين وبالملموس ومن خلال شهادات الناس أن هذا الاتجاه محفوف بالمخاطر على مستقبل البلاد.
اليوم تتشكل قناعات جديدة، أن صحة المواطنين وسلامتهم لها أشد الارتباطات بتطور النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلد برمته، وأن مسألة الأمن الصحي هي الوعاء الحقيقي لسلامة الوطن والمواطنين، وأن الصحة هي قطاع استراتيجي، لا يجوز تسليمه لم يبحثون عن جني المال، بالمضاربات والاحتكارات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *