مذكرات مواطن أدمن عشق الوطن (العشق السادس)

مذكرات مواطن أدمن عشق الوطن (العشق السادس)
بقلم محمد امجهد

النجوم مصابيح تضيء سماء البيضاء في هذه الليلة الصافية من ليالي أغسطس/ غشت … ترانيم موسيقى رومانسية تنبعث من آلة تسجيل وعبد الله جالسا بجانبي شاردا، يقطع صمتنا الفضي مصطفى بشغبه وضحكته التي تلها بتعليقه المرح:
يالكما من رومانسيين حالمين تنقصكما حبيبتين لتكتمل جلستكما الرومانسية
مبتسما رد عبد الله: إننا نفكر…
بابتسامة لا تخلو من المكر قال مصطفى: هل تفكر يا عزيزي في إيجاد عالم رومانسي على مقياس فكرك؟
استفزني السؤال فتدخلت قائلا: لايهم صديقي أن يكون عالما جميلا أو سيئا، المهم اغتصاب الفرح من غابة الحزن ولو كرهت الطبيعة … فالتجربة واختراق حواجز المحرمات في عصرنا العظيم شيء لابد منه.
فاجأنا مصطفى بقوله: هل وحدكما تعتقدان أنكما حاملان ثقل اليوم والتفكير في الغد؟ … لا … إننا –كلنا- هذا الجيل الموزع بين النواهي والمحرمات والعادات والتقاليد وما يسمح به وما لا يسمح به …. نبحث في المداخل والمخارج …. في الحروف والكلمات عن شيء اسمه الوطن … إننا جيل لايهاب الموت … لأننا بكل بساطة نتعايش مع الموت.
أسئلة حارقة تدور بخلدنا نحن مجموعة من الأطفال أبناء أحد الأحياء الشعبية بمدينة البيضاء، انبثق عنها وعي مبكر بواقع الطبقة الكادحة في هذا الوطن، حيث يجب ألا نفقد إنسانية الإنسان فينا، ولكي نفعل ذلك ينبغي أن يحطم كل فرد منا أوثانه الداخلية، كما علينا ان نستحمل صخرة الواقع المر فهي أضخم من صخرة سيزيف.
تساؤلات كثيرة وتردد أكبر بين تلك الآه… واخرى لا… بين ان نهوى الى القاع بابتسامة، وبين ان نرتفع إلى الغيم بدمعة …. وبين هاته وتلك، الكثير من التعقيدات والمفارقات، وباقة تناقضات بأشواك داميه تقاتل كياننا وتعتصره…وما فائدة الابتسامة التي ستداعب ملامح وجهنا لبرهة، ومن ثم تردي بنا الى قاع جحيم التأملات؟ …. أم هل سنصبر على حزننا ونحن بأعالي المقامات؟ … وإننا نعلم أن لاشيء يدوم ولا شيء يبقى… والفناء يلاحق كل مافينا وما حولنا… والندم خيار افتراضي لكل نعم، وهو ذاته لكل لا… فأين سنفضي بكياننا إلى الندم أم إليه أيضا؟
كان على كياني الصغير أن يتعلم …. كيان الصبي المصدوم بواقع مرير في مدينة البيضاء/السوداء … نعم كان عليه أن يتعلم… أن الحياة ليست وردية وأن من يقطف وردة يفوح عطرها عليه أن يصبر للأشواك ببرعمها…. كان عليه ألا ينظر إلى الأوراق التي تغير لونها وبهتت حروفها، وتاهت سطورها بين الألم واليأس وأنه سوف يكتشف ذات يوم أن هذه السطور ليست أجمل ما كتب، وأن هذه الأوراق ليست آخر ما سطر، ويجب أن يفرق بين من وضع سطوره في عينيه، ومن ألقى بها للرياح …. لم تكن هذه السطور مجرد كلام جميل عابر، ولكنها مشاعر قلب عاشها حرفا، ونبض إنسان حملها حلما واكتوى بنارها ألما.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.