مذكرات مواطن أدمن عشق الوطن (العشق الثالث)

مذكرات مواطن أدمن عشق الوطن (العشق الثالث)

صباح يوم جديد من أيام الدار البيضاء (21 حزيران / يونيو 1981) …. تبدو فيه المدينة وكأنها دخلت في حداد سري… شوارع تجوبها سيارات الشرطة وبعض الدبابات العسكرية في استعراض للعضلات …. دكاكين نصف مفتوحة … أسر تضمد جراحها في صمت جراء من أصيبوا بالرصاص الطائش او من تم اعتقالهم بكاء سري ولعنة تصب على هذا الزمن العربي الموبوء.
تعود بي مخيلتي إلى خروجهم يوم أمس… إنهم كصاعقة أتت على اليابس والأخضر … على الجميل والقبيح … كانوا كعفاريت سليمان خرجت لتوها من القمقم … لم يوقف زحفهم زخات الرصاص المنهمر كزخات المطر … كان حلمهم درعا واقيا لهم وكانت الشهادة تابوتا يستقبلهم الآخر تلو الآخر … بكيت بمرارة.
فاجأني عبد الله سائلا: بماتفكر؟
قلت: في الماضي والحاضر والمستقبل أفكر ياعبد الله
رد عبد الله: أنت تكذب …
قلت: لا … لا أكذب عبد الله … إنني أفكر فعلا فيما حذت أمس وما يمكن أن يحدث اليوم وما سيسفر عنه غدا.
قال عبد الله: دعك من هذا اليوم … وهيا نلعب وتأكد أنه لن يكون أي شيء على الأقل اليوم.
منذ ان تعرفت على عبد الله في هذه المدينة المشاكسة، وأنا أرى فيه الطفل الراض والمطيع …. في إحدى حواراتنا الطفولية قلت له: لماذا نعيش هكذا؟
اجابني قائلا: هل أنت غير راض عن حياتك؟
كان جوابي: نعم إنني غير راض عن هذه الحياة خصوصا بعدما شهدته في هذه المدينة الصاخبة التي لا يعرف الهدوء إليها طريق.
كانت حواراتنا صادقة نابعة بشكل عفوي من براءة طفولتنا المقهورة والمقموعة بوصايا الوالدين، الدين والمجتمع … هذا حلال … هذا حرام … هذا عيب … هذا جميل.
ورغم ذلك كنا نتجاذب أطراف الحديث بنكهة خاصة، وكثيرا ما كنت استفزه حين أعيب عليه عدم اتقانه للعبة كرة القدم … كان يثور ويلعنني بقصر قامتي ونحافة جسمي، وحين لا أستجيب لمحاولته استفزازي وأضحك من كلامه، يزداد غضبا مقرا بانتصاري عليه محاولا إنهاء الموقف… خصوصا إذا كانت هناك مجموعة من أصدقائنا أبناء الحي الذين يجدونها فرصة سانحة للنيل منه … لأنه كان أضخمنا جثة وأطولنا قامة، فلم نكن نهزمه إلا في مثل هذه المواقف، إلا أن الجميل في علاقتنا ذلك الصدق الطفولي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.