صرخة سلام

صرخة سلام
بقلم : لبنى بطاهر

تنشد الغايات بسبل شتى ، لتشعبها و تباينها بين الذوات المفكرة ، هذه الأخيرة حاملة لمتناقضات إما خيرة أو شريرة ، لكن الاختلاف الحقيقي في نسبة التقرب من أحدهما ، إلا أن الكائن العاقل وحده من يبتغي بلوغ الخير الأسمى ، ليس من أجل نزوة و رغبة ذات لذة ونشوة عابرة حسية ، بينما لها غاية إنسانية بدون دوغمائية منفعية محضة ، بل ذا ميزة عملية نظرية في الآن ذاته ، أسماها تحقيق السلام بكل تجلياته ، سواء بالنسبة للإنسان في علاقته مع أفكاره و خوالجه أو في انحيازه لترابطات اجتماعية مع الغير أو بمعية المؤسسات الإدارية ، و كذلك في محايثته للكائنات الحية الغير العاقلة و اللاناطقة كالأرض و الجمادات بصفة نهائية ، لا أنكر بأنها إشكالية عظمى ، فهي حلم ربما يتحقق مع مرور السنين ، لكنها تظل فكرة لها من الجدة و الفرادة التي تميزها ، تستحق بالفعل الالتفات إليها ولو برمشة خاطفة . منه ، لنقتفي آثار السلام كما نسجتها في مخيلتي ، مبتغية فيها نقدا من متفحص كلماتي .
سأباشر من الذات الإنسانية ، لتركيبتها المعقدة ، بين الروح و العقل و النفس و الجسد ، فكلها ينظر إليها كهيولات ، تحرك الإنسان نحو أهداف إما بناءة أو هدامة ، لذلك نجد الفرد في هذا المجال يتشعب إلى اثنتين ، الأولى كائن عامي التفكير ، شغله الشاغل تحصيل الأولويات فقط ، من مأكل و مسكن و عمل . حياته تروم على التناسل و امتداد النسب لا غير ، حربه خارجية لا داخلية(= فكرية ) ، يستشعر الأمان فقط في تلبية رغباته الاقتصادية ، مغيبا السلام الباطني ، بل هو منعدم لديه …، فروتين نمط حياته ممل ومجتر باستمرار ، ليله كنهاره ، صيف وشتاء ماضيه كحاضره و مستقبله ، فهو مستهلك وخنوع و خاضع لصيرورة العبد و السيد ، عنصر متفرج لا فاعل بل مفعول به .
ثانيا، كائن مثقف متعلم، إلا أنه بدوره ينشطر إلى نوعين:
1_ مثقف يتعلم ليعلم ما تعلمه و يتقن صنعته كما علمه الصانع الفنان فنه ، لإيمانه أن معارفه و علمه ليست ملكا له ، إنما هي مشترك بينه و بين الذوات الأخرى ، حروبه تكون باطنية بالأساس ، فهو دائم التفكير في الفكر الإنساني و تحقيق الراحة النفسية ، من قيم و مبادئ يرتكز عليها ، مبتغيا من كل ذلك ضميرا مرتاحا بأداء الواجب فقط . ليكون بذلك محققا سلاما روحيا خالصا، إلا أن هذا الصنف يجد صعوبة في التأقلم مع الكثير من الناس المختلفة عنه ، و المتعصبة للآراء ، حيث ترمي من وراء الحوارات و المناظرات الخلاف لا تحقيق السلم الفكري ، لأبسط الأمر، لننظر إلى الفصائل داخل الجامعات ، ونرى كيف يكون مفهوم النضال و الشعارات داخلها ، كن يساريا أو يمينيا فتلك حريتك في ممارسة السياسة ، وهو حق لك بدون منازعة ، ومحبذ للوعي الإنساني ، إلا أن ما يحز في النفس ، تلك الدماء التي يستشهد بها الطلاب ، ينسون الوحدة الطلابية التي لواءها العلم و المعرفة ، التي تكون بالنقاشات و الحلقيات العلمية و التوعوية ، المحفزة لروح الانتماء الحقيقي للفصيل لا القتل و التهديد فيما بينهم . الذي يبث نوعا من الحقد و الكراهية لبعضهم البعض ، وبدل أن تكون الجامعة محطة سلام و عبور إلى بر الأمان ، تكون حلقة القذف إلى متاهة الحروب .
2_ مثقف يتعلم ليحصل بعلمه مآرب مادية منفعية ، متجاهلا كل هدف كوني مشترك ، هنا الأنانية تطغى على ما هو كلي ، لينتج أذى و ألما لمن حوله من ضعفاء ، أو لمن لم تسعفهم الظروف أن يتعلموا ما تلقنه من تعليم ، ما لا يمكن إغفاله أنه مهما وصل إلى قمم عالية ، لن يحقق السلام لذاته لدوام معاركه ذات المصالح اللامتناهية ، فضميره دائم الاضطراب و الخوف ، حيث يكون رهانه هو تشيد بناء سعادته على تعاسة الآخرين ، لكن هنا تكون الشفقة و الصفح عليه أشد عقاب والتصدي له أرحم ، لأنه في النهاية ، بناؤه سينهار بنفس الشدة و القوة التي تمسك بها بأنانية ، وهدم كل من حاول المواجهة و الصمود أمامه …
لا ننفي وجود هذه الذات المتطورة وسط كيان اجتماعي ، متدبدب التأسيس و التقعيد ، تمثل فيه الدولة وعاء يضم فيه كل المؤسسات الإدارية و التنظيمية ، يكون فيه الفرد خاضع لقوانين ملزمة على الجميع ، قد تكون ذات أحكام ديكتاتورية أو ديمقراطية أو أي نظام آخر ، لا يهم ذلك مطلقا ، إذا كانت تبتغي تحقيق السلام لمواطنيها ، ففي أي مجتمع نجد نوعا من الطبقية الاجتماعية ، التي تخلف احساسات و حساسيات بين الأفراد ، أشدها الشعور بالدونية و التقزم و الاحتقار بسبب الوضع الاجتماعي ، مما قد يؤدي أحيانا إلى الانطواء ، التي تؤول بدورها إلى سقوط أفكار مميتة كالانتحار ، فقط من أجل الهروب من تحمل المسؤولية التي فاقت كاهل الأفراد . أما علاقة الفرد بالمؤسسات ، فتمثل الدولة الواجهة العامة لها كما تم التصريح مسبقا ، ولكل مركز اختصاصاته سواء ذات أدوار مركزية أو لامركزية ، كلما قامت بتسييس الشؤون العامة بطريقة مشروعة وعادلة ، تكون قد حققت نوعا من السلام النسبي ، لكن مادمت تتخللها عناصر غير مؤتمن عليها ، ونالت مبتغاها على حساب الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي يعيشها المواطنين داخل الدولة ، فإنها لا ترقى نحو الأفق الذي ننشده .
ما لا ينبغي الانزياح عنه ، أن تلك الذات الباحثة عن الاستقرار و الأمان لا ترضخ إلى إطار علائقي اجتماعي و مؤسساتي فقط ، بل هي ضمن طبيعة تعم بالحياة مع كائنات أخرى – كالحيوانات و النباتات و الأشجار ، وكذلك بين الجمادات كالجبال و الرمال – مما يوجب التأقلم معها ، إما بالتعايش و العطف ، أو بالحفاظ عليها لجماليتها ، لا استنزافها و استغلالها ، الذي يخلق نوعا من الاضطراب و عدم التوازن داخل سلسلة الحياة . بالتالي ، انعدام السلام على الأرض ، فالإنسان يمتلك الآليات لقتل نفسه و تدمير الطبيعة ، فسلامه بين يديه ، هو الوحيد القادر على تحقيق الأمن ، فقط بالتخلص من القوى الشريرة ، التي تطمح إلى الهيمنة و السيطرة و التجبر ، يكون شعارها “الحوت الكبير يأكل الصغير” ، ذاك في عالم البحار و المحيطات ، هو نموذج مماثل لعالمنا الإنساني ، ربما ، بل نحن في وضع أبشع من ذلك ، لانعدام الإنسانية في قضايا كثيرة لا حصرة لها ، لنستخلص بأن طبيعة الفكر الإنساني له المقدرة على قتل البشر و تدمير الأرض أو بث الحياة .
لنعد إلى فكرة السلام في ذاتها ، فنحن لا نعرف عنها سوى رموز مخترعة و مبتكرة من طرف عقلنا ، تم استئصالها من الطبيعة ، فتلك حمامة بيضاء محلقة في سماء زرقاء صافية ، تحمل رسالة السلام الذهبية ، وهذه وردة بيضاء تبعث في النفس طمأنينة و سكينة ، حيث أصبح اللون المفضل للناس هو الأبيض للتعبير عن فكرة السلام ، ففي المجال الحربي تشرع رايات بيضاء ملوحة في الهواء ، عيون تراها بالاستسلام ، إلا أنها تكف في الحقيقة عن ذرف الدماء ، فذاك معلم و طبيب بوزرتهما البيضاء يبثان الثقة و الأمل في الطلاب و المرضى . فأن تكون مسالما يعني متخلصا من كل الآفات التي تنشب حروبا مع الغير ، كالحقد و الحسد و الكراهية ، فمثلا ، أن تنظر إلى أبناء الأغنياء بنظرة حب رغم فقرك ، لأنهم ليسوا من اختاروا مكانتهم ، لكن واجب عليهم الوعي بالتقاسم مع الفقراء ، بمد يد المساعدة و تهوين الحياة عليهم ، كما على المثقف النابغ أن يمسك بيد المتعلم المبتدئ أو المتهاون إلى أن يقف ويصير ما يريده ، لا حجزه و احتكاره للمعارف .
فكم تبلغ هذه الفكرة من مقدار كبير ، باهض الثمن ، حيث تتطابق مع الجهد و العمل العقلي ، بكونها لا ميزان يقيسها ، هي مجردة في الأساس ، لكن لها تجليات إنسانية عظيمة كعظمة الممالك و الإمبراطوريات ، القليل من يرفع لواءها و الكثير من ينتقدها ، و يدعوا إلى قيام حروب ليعم السلام ، ويرى في بلوغ الغاية أولوية على نوعية الوسيلة المتخذة فيها ، إلا أن اللبيب يعي بعد خوض معارك كثيرة سواء مع ذاته أو الغير ، أنها حروب فتاكة و مدمرة ، أكثر من الفخر بالنصر و الاحتفال به ، فيميل إلى محبة السلام و الاشتياق له و الرغبة في أن يعم على الإنسانية .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.