صحافي ينبش ذاكرته: في أحضان المساء.. آمنت ب”رب” نيني وبوعشرين: الحلقة 4

صحافي ينبش ذاكرته: في أحضان المساء.. آمنت ب”رب” نيني وبوعشرين: الحلقة 4
بقلم. الحسين يزي. كاتب و صحفي

بعد حكاية الأجرة الشهرية غير الموافقة لوعود رشيد نيني، غادرت مقر جريدة “المساء”. لم أستطع أن أحسم شيئا أو اتخذ قرارا بخصوص ما حدث.

في اليوم الموالي حضرت إلى مقر الجريدة، لكن دون نية العمل.
انتبه بوعشرين إلى إضرابي عن العمل غير المعلن، فطلبني إلى مكتبه. حاول أن يقنعني أن ما حدث لم يكن مخططا له، وأنني أستحق الكثير، وأنني إن كنت لاحظت أن زميلين لهما أجر أعلى من أجرتي فلأنهما جاءا من مؤسسة أخرى بتلك الوضعية.

أجبت بوعشرين عن هذه المسألة بالقول: “علاه أنا بآشمن وضعية جيت من “الصباح؟”..ثم أضفت: “لا تهمني أجرة زميل أو زميلة. ما يهمني هي وضعيتي والوعود التي أعطيت لي..”.

انتهت دردشتي مع توفيق، واستأذنته في الانصراف. كنت أشعر بضيق كبير في صدري. لم أستسغ أن “يُضحك علي”، هكذا فهمتها لحظتها. كما أني لم أستسغ ردة فعل نيني حين قال ألا علاقة له بالجوانب المالية.

سأكتشف حينها، أن “المساء” من أولها إلى آخرها عنوانها “توفيق بوعشرين”، وأن رشيد نيني اسم “نجم” لا دخل له لا في “التحرير”، ولا في “الإدارة” ولا في “المالية”. هنا خطورة الموقف والوضع، كيف ذلك؟

في الجرائد الحزبية، أنت في كل الأحوال تشتغل في مؤسسة مهيكلة. هناك مدير مسؤول له وزن ثقافي وسياسي حزبي، ورئيس تحرير له وزنه الثقافي الفكري والسياسي، وسكرتير التحرير، فرؤساء أقسام التحرير. وفوق هذا وذاك هناك المسؤول الأول على الحزب ثم المكتب السياسي، فاللجنة الحزبية المكلفة بجريدة الحزب. هذه الهيكلة تُبعد الصحافي عن خطورة ميزاجية المسؤول الوحيد والأوحد في الجريدة.

في جريدة حزبية وحتى يتم اتخاذ إجراء معين في حق صحافي، فلابد أن يوافق جميع مسؤولي الهيكلة المذكورة، ما يعني أنه لن يوافقوا جميعا على تأديب هذا الصحافي أو طرده أو المس بأجرته. ما يعني أن الصحافيين المتشبعين بأدبيات العمل النقابي والسياسي في الجرائد الحزبية أكثر أمانا من غيرهم في الجرائد “المستقلة”.

بالرجوع إلى نموذج هيكلة “الصباح” سيتضح أن هيكلة المؤسسة أشبه بهيكلة الحزب، فصحافيو “الصباح” لا يرتبط مصيرهم المهني برئيس التحرير بشكل مباشر وحاسم، ولا بالمدير الإداري.

هيكلة “الصباح” مثلا، توفر للصحافي هامش كبير من الأمان والاطمئنان على منصب شغله. وحدها التعويضات عن المردودية والكفاءة يكون فيها رأي رئيس التحرير حاسما، أما مسألة وضع حد لاستمرار اشتغال صحافي في “الصباح” فهذا القرار يتطلب مسطرة معقدة لتحقيقها، لأن المدير العام في “الصباح” غير مزاجي، لأن هيكلة المؤسسة تفرض عليه ألا يكون مزاجيا.

مثل هذه الهيكلة “الآمنة” متوفرة أيضا في مؤسسة “ماروك سوار”، وأعتقد أنها كذلك في مؤسسة “الأحداث المغربية”، لأنها انطلقت وتأسست على أساس أنها جريدة شبه حزبية.

جريدة “المساء” كانت جريدة صحافيين بالدرجة الأولى. لم تكن جريدة مؤسسة حزبية أو شبه حزبية، أو مؤسسة إعلامية يديرها رجال أعمال في الإعلام، لذلك لم يكن غريبا أن مصير “الصحافي” في “المساء” مرتبط بشخص واحد، وغالبا ما تتحكم المزاجية في قرارات هذا المسؤول الواحد مهما بلغت درجة موضوعيته ومهنيته وحسن تدبيره.

حتى “أبرّد على قلبي” طلبت من توفيق بوعشرين 20 ألف درهم تسبيقا أو سلفا تصرفه لي الجريدة، مقابل استمراري في العمل. رفض توفيق في أول الأمر. وبما أنه شخص ثاقب النظر (هكذا فهمت) وافق على الطلب وسهّل مسألة التسبيق/السلف.

كان هدفي أن أؤمن مصاريف الدخول المدرسي والبيت بنسبة ما من الأريحية، ما سيجعلني أكثر تركيزا مع تجربة مهنية جديدة تفرض نفسا جديدا وتحديا خاصا. لكن لا أنكر أن أصل هذا الطلب كان ردة فعل على قيمة الأجرة الشهرية “الاسبيس” الخاصة بي.

توفيق بوعشرين، غالبا ما يجعل المعاملة الإنسانية فوق كل اعتبار. إنما تتزايد هذه المعاملة مع من يراه (أو يراهم) صالحا لإنجاح مشروعه المهني.

تسلمت العشرين ألف درهم. طويت الموضوع ودخلت من جديد في إيقاع العمل، وقررت أن أنتظر مرور ثلاثة أشهر لإعادة تسوية وضعيتي، بحسب وعد توفيق بوعشرين.

بقي أمر “هاد العشرين ألف درهم” معلقا في “سيستيم” مالية الجريدة، أي أن “الجهات العليا” لـ”المساء” تغاضت عن استرجاعها.

يتبع…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *