. . ذاكرة رجل وطني: رضى ملكي حال بيني وبين دسائس الخصوم

. . ذاكرة رجل وطني: رضى ملكي حال بيني وبين دسائس الخصوم
يرويها الأستاذ أمل العاصمي

في الحقيقة، وجدت نفسي معتقلا، منذ صباي الأول، في خضم أحداث فرضت علي التموقع خلف ثلة من عائلتي، رفعت لواء النضال بشتى أصنافه، الثقافي، السياسي و المقاومي، نصرة لوطننا بدءا بالوجود الاستعماري و ما انتهى برفض هيمنة الرأسمال المتوحش و أخطبوطيه الإقطاع . .
باختصار شديد، ما عرفت أن ذاك الرجل، كان أبي، و الذي كانت والدتي و جدي رحمها الله جميعا، تأخذاني و إخوتي لزيارته، ممطتين سيارة جيب عسكرية فرنسية، تحت حراسة ثلة من فيالق، قساة القلب( الگوم ) لمئات الأميال من منعرجات الأطلس الكبير إلى فيافي رمال الصحراء، من مراكش تارة، لمحامبد الغزلان، و أخرى لتازناخت، أو تاگونيت أو قلعة مگونة، بدون ذكر دار المهراز بمراكش إلخ … وسمح لي الضابط الفرنسي بالمبيت معه في معتقله، و لأنصت لحواراته مع الثلة التي كانت معه . .
كنت في الخامسة أو السادسة من عمري، لكن كان لاشعوري دائم التسجيل لكل ما يدور حولي من أحداث، نتيجة لما سجل في ذاك اللاشعور من تعنيف و بطش و إهانة و ضرب و ركل لأذناب مرتزقة لگلاوى و “آسوتيات” شرطة المستعمر من المغاربة، و التي كانت تفوق تعنيف الجدود المورسيكيين . . لدرجة أن الصبي الذي كنته، انمحى من وجدانه أدنى خوف أو رهبة من أي كائن مهما كان، لتلتصق بوجداني صورة ذلك الرجل “والدي”، و الذي كنا بأكامل العائلة نعذب من قبل السلطات لانتسابنا له، و الذي كنت ألاحظ تهرب غالبية الجيران في الحومة، “لمواسين”، حتى من المرور بنفس طريق مرورنا، و كم سمعتهم يرددون لبعضهم، هذاك ولد عبد القادر حسن أو راه ولد أخت مولاي عبد الله إبراهيم . لتعظم صورة الوالد و الخال رحمهما الله في دواخل لاشعوري، لأكون الإنسان الذي سأصبحه لاحقا. الفاني حبا و عشقا في ثرى هذا الوطن . . .
ليأتي الاستقلال وليرفض والدي ذلك الاستقلال من بين ثلة وطنية علمت بمن سارع بالتقاطه..ولنبقى في منفى والدي، ببيت المقاوم الدكالي المرحوم السي التيباري، تحت الحراسة المشددة، قبل الاستقلال من قبل الجنود الفرنسيين، و كانوا كرماء معنا أنا و إخوتي، و تحت حراسة رجال شرطة مغاربة ذوي طباع قضة، قاسية قلوبهم، مفرغة من كل حس الإنساني و ليدوم هذا المنفى سبعة أشهر، بعد إعلان ذلك الاستقلال.
و بعدما طالت تدخلات المرحوم السي علال الفاسي، و جماعة من الوطنيين و رجال المقاومة، لإصلاح ذلك البهتان، و حيث فشلت كامل التداخلات، هجمت فرقة من رجال المقاومة على مدينة الجديدة في إحدى الليالي، و فكت أسر والدي و نحن معه، و أدخلونا لمراكش تحت زغاريد لعلعات رشاشاتهم و بنادقهم، ليعيش الصبي الذي كنته بداية سيناريوهات المشاهد التي لازلنا نراوح معايشتها لحد الآن، بيع و شراء، نفاق و خداع، تغيير الأقنعة بحسب التموقع في المشهد المعيش . .
ليعايش الصبي، ثم المراهق مكرها مرة أخرى تخطيط سيناريوهات، تتراوح ما بين الدرامي و التراجيدي في كوميديا تسيير شأننا الوطني. كنت شاهدا رغما عني في عدة مواقف فاقت اللامعقول في ديباجتها ودفعتني لكره أناس بوأتهم الجماهير درجة الزعامة فينا، و أقسم أنهم من حثالات متزلفي أم الوزارات في ذلك العهد، و لا أخفي أنني بالرغم عن رفضي لغالبية القرارات التعسفية و الديكتاتورية لأناس دنست ذكراهم جرائد و سياسيو هذا العصر، إلا أنني و بكامل النزاهة، وجدت فيهم و منهم مواقف فاقت حدود اللياقة، على الرغم من معرفتهم “بفرعوتي” الثورية، من 1965م إلى 1971م، حين أسست مباشرة بعد رجوعنا من مصر، متأثرا بالأفكار الناصرية، منظمة “النجم الأحمر”، لينتسب فيها ثلة من الإخوة، منهم للحصر : المرحوم سعيد الفاطمي، م. لمباركي، ر. الرغاي، الولي، النجم و أضمين، و هؤلاء الثلاثة هم مؤسسي “البوليزاريو” . . حيث بعد ما عانوه من تعذيب في طانطان، استطاع هواري بومدين استدراجهم، و خطفهم منا (قصة طويلة) و بالرغم عن أنني ممن طالهم العفو الملكي بعد أحداث مارس 65م، و التي كنت رأس حربة كامل أحداثها من ثانوية الحسن الثاني بالرباط، و رغما عن أحداث شاركت فيها، و بعد رجوعنا من تونس في سنة 1975م، و اشتغالي مفتشا بالضمان الاجتماعي، أوصلني ضميري المهني، سنة 1978م، و قد اكتشفت عشرات من عمال إحدى المقاولات غير مسجلين و لا مصرح بهم في الصندوق، و بعدما اكتشفت أن المقاولة في ملكية الملك المرحوم الحسن الثاني، أرسلت له استدعاءا في اسمه الخاص، رحمه الله، في شأن تلك الواقعة، لتزلزل أركان الضمان الاجتماعي، و عموم الرباط.
ليرسل لي جلالته، الحاج محمد المديوري، و كان سيأتي بنفسه لولا تفجر مشكلة وزراء أحمد العراقي و المقاول بن مسعود، القضية المعروفة بقضية بان آمريكان، و التي تدخل فيها في ذات يوم لاستدعاء الرئيس الأمريكي جيمي كارثر. على أي، أدى لي جلالته مبلغ 789 ألف درهم، في ذلك الوقت و سوى وضعية كامل العمال و قد فاق عددهم 145 عاملا. بعدها، أمرني بمراجعة و تسوية وضعيات الأمراء و كبار ضباط الجيش و الشرطة، و سامي موظفي الدولة، و السياسيين.
و لا تسألني عن قواميس أحط الشتائم التي قيلت لي و لزميلين مراقبين كانا يرافقاني، و من “زعماء” كبرت أخاطبهم ب”عمي”، و كانوا لا يستطيعون رفع أعينهم أمام والدي السي عبد القادر حسن، و خالي مولاي عبد الله إبراهيم .
من يومها، سكن بدواخلي كره أعمى لكامل طيف الزعامة فينا، وفي وطننا.
بعد هذا، عام 1981م، توليت منصب المندوبية عن الصندوق، لأدخل معمعة صراعات تراجيدية مع طوابير الرأسمالية المتوحشة و رديفتها الإقطاعية الموغلة أخطبوطيتهما في كامل دواليب شأننا العام، ولكن لشكهم بأنني ما أقوم بشيء إلا برضى ملكي، ما استطاعوا لي سبيلا، إلا ما كان من قشور موز حاولوا ملأ طريقي الإداري بها . . لكن ما كان ملأني و أنا صبي من توجس و حيطة، و خصوصا ما حشاني به والدي و خالي، من عشق لوطني و انغماس في طبقتي الشعبية، حال بيني و بين ترهاتهم .
:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.