دون ملامح

دون ملامح
بقلم لبنى إمام الوجدية

قال توفيق الحكيم: (إذا أردت أن تصمد للحياة فلا تأخذها على أنها مأساة) قلت على قوله : (اذا أردت ان تصدم للحياة، فعليك الا تأخذها على محمل الجد.)
كانت تبدو لي الحياة سهلة وأنا صغيرة مثل زهرة البراري البعيدة، أجري هنا وهناك، طفلة تعشق أن تعيش طفولة ساذجة ومفعمة، البراءة و العفوية، أثرثر بمبالغة دون أن أبدي اهتماما لغمزات أمي وهي تمطن شفاهها طالبا مني أن أصمت، مع رفيقاتي ورفاقي كم لبثنا تحت الأمطار وهي تروي عطش شوقنا للشتاء، وكنا دوما نسافر في أحلامنا إلى نحو عشب القول وزرقة السماء، إلى عالم اخترعناه لنهرب من الواقع إليه، لقد كنا نختزل الحياة كفراخ الطير في اللعب، في المزاح ولم تكن الحياة صعبة أبدا.
تعرفنا على الأشرار لأول مرة عندما شاهدنا كارتوننا المفضل، اكتشفنا حينها أن الأعداء يتربصون بنا دوما في بداية الطريق، في المدرسة، في الشارع، في العمل، سيتنمرون علينا ويتعبوننا، ثم يعملون جاهدين ليسقطوننا أرضا، حتى الابطال الخارقين لم يسلموا من شر الأعداء.. لقد تعلمنا في بداية رحلة العمر، أن الأعداء يبغضون الأشخاص المتميزين الذين يبالغون في طيبوبتهم، أحببنا أولئك الابطال الذين صمدوا ضد الوحوش، أردنا أن نصبح مثلهم وأن ينتصر الخير وأن يكون جنبنا في رحلة العمر، لقد رأينا الأعداء في صورة وحوش وعفاريت، لم نتخيل أبدا أننا عندما سنكبر، سنرى أولئك الوحوش في وجوه أصدقاء مقربين، في صور أحباب ، لم نكن ندرك أن الطفولة خانتنا وبالغنا في البراءة وأن الأعداء الذين نبحث عن وجوههم الشريرة، ما هم إلا أمامنا وهم يملكون قدرا كبيرا من الوسامة..
إن أسوء ما يقع للمرء في الحياة، هو رفع سقف التوقعات، أن يضع ثقته في غير محلها، أن يحب أحدا أكثر مما يستحق، أن يقدم مشاعره لشخص في غيبوبة عنه، أن يقدم تضحية لأحد يعتبره نزوة عابرة، والأمر الفظيع من كل هذا أن تصير مع الأيام، رغباتك أن تغير نفسك وتصبح مثلهم، أن تترك براءتك التي غدت سذاجة مضحكة في نفوس من أسكتوا ضميرهم من أجل أن يحيا الظلم والقسوة، أن يصبح المتخلق عملة نادرة في عالم يشوبه الكثير من الظلام. ومهما حاولت أن تغير من طبيعتك فأنت تفشل عند كل خطوة تحاول أن تبدو معها قاسيا، أنت لا تشبههم،. أنت فقط تحاول تقليد السيئ منهم بعد أن تعرضت لخيبات قاسية ومدمرة، لم تستطع روحك البريئة تحملها،
لقد سرقوا منك البسمة الرقيقة، لقد سرقوا منك لذة اللقاء الأول، أخذوا منك إحساس الحب الأول وأن تظل تغني تراتيل الحب ولمعة العينين تشع منك نورا، لقد حرموك من أجمل البدايات وانهكوا قلبك برعب النهايات.. لم تعد تتذكر شيئا من لطافة ما حصل، مجرد تراكم المآسي في قلبك، والكثير من الدموع التي تنهك روحك. إنهم مجرمون والعدل هنا لا يحميك من لعنة العلاقات. ثم يقولون أن القانون لا يحمي المغفلين؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.