حديث بمقهى سيدي علي بنحمدوش:أين اختفى برلماني منطقتنا؟

حديث بمقهى سيدي علي بنحمدوش:أين اختفى برلماني منطقتنا؟
مجلة 24:بقلم البري الجيلالي

بالأمس وفي عز الشمس التي تكبدت سماء مدينتي الصغيرة آزمور،والحرارة التي قضت مضجعي ومضجع النائمين، استيقظت باكرا، تناولت وجبة الفطور واتجهت صوب إحدى مقاهي جماعة سيدي علي بنحمدوش، والتي يفصلها عن أزمور واد يئن تحت وطأة الإهمال والتلوث، اخترت مكانا قصيا بالمقهى،وناديت النادل لإحضار فنجاني من قهوة سوداء تعادل سواد التهميش الذي تعانيه هذه الجماعة، وبدأت في احتسائها رشفة رشفة.

بالقرب مني جلس رجل في الخريف من عمره، ملامحه تكسوها تجاعيد تُعَبِّرُ حروفها عن عثرات مرت من سكة قطار حياته، ومعه شاب في مقتبل العمر مازال قطاره يبحث عن المحطة الصائبة، بدآ في الحديث الذي بالرغم مني ولجت كلماته لطبلتي أذني، فتسابقت جمل الحديث لتركن بجوانب ذاكرتي، وحثني شيطاني على أن أتصنت لكلامهما وأتمعن في عباراته، عَلَّنِي أجد فيه بعضا من أفكار لمقال لهذا المقام.
في البداية كان الحديث مملا ،يتلخص في معاناة الحياة التي يمر بها المتحدثان ،والذي هو ملخص وديدن لحياة معظمنا،الشيء الذي سار بي نحو التخلص من الزمكان،فرشفت ما بقي من فنجاني المهموم، وناديت النادل ومنحته سعر قهوتي السوداء،ونهضت لمغادرة المكان، فإذا بسؤال من الشاب يلقيه على صاحبه، مر كالسهم ليستقر مقامه بأذني، وأعادني لمركني غصبا عني،وأعدت نداء النادل وهذه المرة طلبت فنجان حليب أبيض اللون كسعادتي اللحظية التي تسللت لقلبي،وأنارت طريقي لمقال أوحي لي به من صاحب السؤال، لأنتظر جواب المسن وفي نفسي أمل بأن يكون شافيا.
كان السؤال القنبلة التي أعادتني لمركني هو:
_ أش بان ليك أبا احمد في البرلماني اللي نتاخبناه؟؟؟
رد “با احمد” على صاحبه متهكما:
_ علاش أولدي كاتسول دابا عليه من بعد كل هاد السنين اللي صوتنا عليه فيها؟
قال الشاب:
_ والو أبا احمد غير حيث من نهار رشحناه ما بقا بان لو أثر.
أجابه “با احمد” بجواب لخص الحكاية في كلمات قليلة:
_ إلا توحشتيه أولدي راه ما بقا والو ويطل علينا ويقدر يتقهوا معانا.
ضحك الشاب وقطب المسن وجهه،ورميت بناظري نحوهما وابتسمت في وجهيهما، فرمقني المسن بعينيه، وابتسم بدوره ابتسامة أوحت لي بأنه علم بأني تجسست على حديثهما،وبفطنته المستوحاة عبر تجارب الحياة، علم بأن حديثهما لن يمر مرور الكرام،دون علم البقية به عبري.
ناديت النادل ومنحته سعر فنجان الحليب، وسرت في طريقي نحو مدينتي، وحديث الشيخ يسبق ظلي.
عدت لمنزلي بعد الظهيرة، وأخذت قلمي وورقتي لأحول حديث صاحبي في المقهى، لكلمات وجمل قد تستوحي لي بمقال أو رواية أزين بها رفوف مكتبي.
أوحى لي شيطاني المتمرد،بأن أسبح في العالم الافتراضي،وأبحث عبره عن البرلماني الذي كان حديث الشيخ والشاب،ولي أمل بأن أفند كلامهما،وأجد بعضا من المرافعات بقبة البرلمان يكون بطلها ذات البرلماني.
تصفحت مواقع وولجت مقاطع فيديوهات،باحثا عن إبرة في قش تبن،فصدمت لهول ما وجدت، برلماني منتخب عن منطقة خارج أسوار مدينتي، يمطر الوزراء بتساؤلات كتابية حول هموم منطقتي،فتارة يطالب بتوسيع المجال الحضاري لمدينة أزمور، وتارة يطالب بالاسراع بفتح مفوضية الشرطة التي طال موعد افتتاحها.
صدمة الموقف الذي غطى غرفتي اللحظة، أدخل تفكيري لمستتقع الحملات الانتخابية لمرشحين، يبسطون أمامنا سجاجيد الحلم الجميل،يخرجون من فانوسهم السحري آمال وأحلام،وبمجرد تقلدهم المسؤولية ينغلق الفانوس ويختفي المارد وتذهب الآمال أدراج الرياح،لكن عند اقتراب الموعد المزعوم يعود المارد رفقة حاشيته لنثر ورَشِّ الأرض مرة أخرى بوعود سافرة،فهل أنتم لهم مصدقون؟؟؟
كم مرة سبق لعاهل البلاد وأن نبه إلى ضرورة العمل بجد واجتهاد أو ترك الكراسي لمن هو مستعد لتحمل المسؤولية،وقد سبق وأن توجه في خطابه بمناسبة افتتاح إحدى الدورات التشريعية بالحديث للبرلمانيين بصفتهم ممثلي الأمة في مقر البرلمان، وأخبرهم بأنهم يتحملون مسؤولية ثقيلة ونبيلة في المساهمة في دينامية الاصلاح بالمغرب،حيث قال ” أنتم داخل هذه المؤسسة الموقرة، تشكلون أسرة واحدة ومتكاملة، لا فرق بينكم، مثلما يعبر عن ذلك لباسكم المغربي الموحد، رغم اختلاف انتماءاتكم الحزبية والاجتماعية. فالمصلحة الوطنية واحدة، والتحديات واحدة. ويبقى الأهم هو نتيجة عملكم الجماعي.”
فهل سار برلماني منطقتنا في نفس النهج الذي رسمه العاهل المغربي،أم أن بوصلته تاهت في بحر اللامبالاة؟؟؟
سؤال مطروح لشيخنا والشاب الذي معه، ولباقي الساكنة حين تقترب ساعة الحقيقة.
فقريبا سينشق قمر المنطقة وتقترب ساعة النفاق السياسي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.