افتتاحية 24 :أي مدرسة نريد ولأي غايات؟

افتتاحية 24 :أي مدرسة نريد ولأي غايات؟
بقلم فؤاد الجعيدي

لوزارتنا في التربية الوطنية قدرة خارقة، على صناعة المصطلحات والترويج لها بين الناس، ولم يسبق لي أن رأيت وزارة من الوزارات قد ذهبت في هذا المذهب، للانشغال بهذه المصطلحات التي لا يفهمها إلا المنتسبون لهذه الوزارة، التي عجزت ومنذ سنوات على تحقيق إقلاع حقيقي ونهوض ثوري بمهامها في تربية الإنسان وتكوينه على القيم الاجتماعية النافعة.
كم من الموارد المالية تم ضخها في هذه المؤسسة المريضة، وكم من الإمكانيات تم رصدها، لإعادة إنتاج الفشل وكم من المناظرات اجتمع فيها أهل الكلام، لنستفيق على واقع لا يفرز سوى النقد والشماتة.
بناء مدرسة عمومية لا يقتضي كل هذه الجهود في تتبع آثار الذئب. لنقترب، من طبيعة التعلم بمدارسنا اليوم. التلاميذ يرابطون بفصول دراسية، لمدة إحدى عشر سنة وفي نهاية المطاف، لا تكون لهم القدرة على القراءة السليمة، ولا الكتابة المقيدة بضوابط اللغة، في جوانبها التركيبية.
طيلة إحدى عشر سنة لم تتوفق المدرسة، في بناء قدرات الملاحظة والتمثل والاستنتاج لدى المتعلمين، وهو وضع يدفع بنا اليوم للتساؤل عن جدوى المدرسة التي نريد، ومن هو المؤهل للقيام بهذه الوظيفة وما ينبغي أن يكون عليه وضعه للقيام بأدواره الطبيعية؟
إن العمليات التعليمية تدور أحداثها بين متعلم ومعلم ومحتوى تعليمي.
وفي كل مرحلة تعليمية، تقتضي العلوم التربوية، ومناهجها طرقا بيداغوجية، لتمكين المتعلم من ضرورات التعاطي مع العالم الخارجي، بما يحقق التوازنات والتفاعلات المطلوبة.
في المراحل الاولى، نكسب الطفل القيم الاجتماعية، التي تسمح له بالعيش داخل المجموعات، وبمعرفة حقوقه وحقوق غيره والخير والشر، ونؤطر انفعالاته. ثم تأتي مرحلة تنمية الإدراكات الحسية، وبعدها القدرات العقلية. المسارات التي تأخذها هذه التعلمات هي اللغة في ضبط مخارج حروفها، والتميز بين أصواتها، باعتبارها نفسا يصطدم بحواجز من أقصى الحلق إلى الشفتين.
ونكسب المتعلم التميز بين الحروف والأفعال والأسماء والصفات، ونرتقي به لتكوين الجمل، التي يعبر بها عن كل الأحاسيس.. وفي كل مراحل هذا التعلم الذي نلتجئ إليه داخل مجموعات الفصل لتحقيق التفاعلات التي تتطلبها الحياة الاجتماعية.
في كل هذه المراحل وعلاقاتها، لا يوجد سوى المتعلم والمعلم، الذي يعمل على تنمية روابط العشق والحب لهذه المعارف، التي نطمح إلى اكتسابها والتفوق فيها. والمعلم وحده الذي يعيش سياق المتعلمين ويدرك فيه أي المناهج والمضامين، أقرب لإنتاج التفاعلات المطلوبة وهو وحده الذي يملك وسائل قياس النجاح والتفوق، في تمثل محتويات الحصة الدراسية لدى الفئة المستهدفة.
لكن هذا المعلم بالذات، هو الذي تحرص وزارتنا على تغيب نظرته ومواقفه من البرامج والمناهج ويظل الحلقة الضعيفة والمفقودة في نظامنا التعليمي.
لقد سبق لي في مرحلة من حياتي، رفقة الراحل عبد المجيد الذويب الأستاذ والمربي المحنك أن هيئنا مجموعة من المقررات تخص تلاميذة الإعدادي. واخترنا النصوص على أساس بساطتها اللغوية لشعراء معاصرون، تتحدث عن الأم والطبيعة والتضحية والوطن.. نصوص تتدرج بمفاهيمها لتكسب المتعلم نضج المفاهيم والقدرة على تمثل العلاقات بين كل هذه المواضيع والمشترك بينها والتغني بها.
لكن الساهرون على القبول ورفض المقررات بالوزارة ساعتها ارتأوا فيها زيغا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.