افتتاحية مجلة 24 : الحياة جميلة

افتتاحية مجلة 24 : الحياة جميلة
بقلم فؤاد الجعيدي

عشقت أن أحتمي خلف نظارتين سوداويتين، وأرى موج البحر كما لم أره من قبل. فصارت وجوه الناس، أكثر فصاحة على نفوسها.
رأيت فيما يشبه الغيبوبة، رهطا لا يملكون نفوسا لوامةّ، ما يكرهونه لأنفسهم، لا يتورعون في أن ينصبوا شراكه لغيرهم من البشر. نفوسهم بها مرض.
كلما ادعوا تدينا، ازدادوا مكرا بنفوسهم الأمارة بالسوء. وعادة ما ينصبون أنفسهم، دعاة ووعاظا وحماة لدين، جاءت تسعون بالمائة من تعاليمه، لتسن النظم والقوانين والأخلاق، على معاملات الناس فيما بينهم والعشرة بالمائة الباقية، لم تكن سوى تذكيرا بوحدانية خالق السموات والأرض وما بينهما. رب العالمين الذي أوجد المخلوقات لعبادته وحمده وشكره. ولم يضع لنا وسائط بيننا وبينه. واختزل القول في كتابه العزيز: ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) وقوله عز جلاله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ).
لكن هذه الرحمة وهذا التسامح الإلهي العظيم، لا تراه بصائر مكفوفي القلوب والذين أشاعوا بين الناس، دينا على هواهم وجمعوا تعاليمه من جهال عصرهم ومن روايات شفوية تختلط فيها الميثولوجيا والأمراض النفسية والعقد وجلد النفوس في واقع لم يطاق وغدا جحيما. يسهل مأمورية جلادي البشر بالتخويف وعذابات القبور.
وحين أخلو بنفسي على شاطئ البحر، مثلما عشت ذلك ليلة الأمس، تطلعت إلى الأفق الأزرق البعيد، وعدت بالبصر إلى الموج القريب إلى لجة الماء. كانت نفسي مطمئنة أمام جلال هذا الإله العظيم، باسط الكون والرزق لمن يشاء وبدون حساب، تطلعت خلفي إلى الجبل.. وجدت الدنيا جميلة وطيبة، وجدتها تتألق في حضورها البهي.. لكن نحتاج إلى ثقافة الأمل كي نحيا فيها وهي التي لا تعود مرتين.
حتى الثقافة البرجوازية في أوج عطائها الثوري، كانت تعلمنا أكثر مظاهر النبل الإنساني، في الحياة الجديدة، وأشكال التمتع بالرفاه الحياتي والذي سرعان ما التفت عليه ليضيق على الناس وينمي الكراهية بينهم.
لكن في خلوتي تيقنت، كيف أتخير ركنا منعزلا، بمقهى تطل شرفته العالية على قاع البحر، وأتلذذ ببصري في هذا الكون على فنجان قهوة، أدركت، أنني لا أعطي دروسا للناس، بل تأخذني رغبات مجنونة، لأحدثهم أن ولوج البحر في قارب الحياة، يكفيك أن تجد من يشاطرك الفكرة لتتقاسم المتعة جماعة وبالمساهمة العادلة فيما بينكم لصاحب المركب.
الحلول ممكنة للعيش مثل الآخرين، الشرط الوحيد أن نقبل على الحياة جماعات، كما كنا نفعل في السابق.. وأن نهجر الشياطين الجدد الذين اعتادوا شيطنة الحياة، التي لا علم لهم بها سوى رغباتهم المحمومة في اكتناز المال من بؤس الآخرين، كما يفعل الرقاة. أرى في بعضهم أنهم صاروا مثل رهبان النصارى في العصر الوسيط، يستجدون من الناس صكوكا للغفران. وليست لنا رهبانية.
حين أخلو بنفسي، وتطمئن ذاتي، أجد أن الحياة بسيطة، وجميلة وفاتنة، وفيها من كل فاكهة زوجان، وفيها البحر وفواكه البحر، ورائحة شواء السردين المتبل بعصير الليمون، وكأس شاي منعنع، والقدرة على المشي فوق رمال الشاطئ، والحلم أنني أدركت صخرة جزيرة لنكون ورأيت أقبيتها البيضاء، قطعت ببصري كل المنعرجات القادمة من أعلى الجبل إلى الماء. إذا غاض أغيض، وإذا فاض أفيض.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.