افتتاحية مجلة 24 : الثورة الناعمة لملك المغرب

افتتاحية مجلة 24 : الثورة الناعمة لملك المغرب
بقلم فؤاد الجعيدي

في الأزمات القوية، يختبر الرجال العظام. هكذا حال قائد الأمة المغربية، ورمز وحدتها الوطنية، والمعبر الأمين على وجدان الشعب المغربي.
في عز الجائحة الكونية، كوفيد 19 التي تلقفت العالم في منعطف طريقه، نحو الهيمنة المطلقة لقيم اقتصاد السوق ، والانتشار الواسع والسريع لوصفات ودعوات مراكز الضغط المالي العالمي، من أجل مزيد من التفكيك للقطاعات الاجتماعية.
هذا التفكيك كان ولازال يستهدف خدمة جشع الرأسمال الإمبريالي المتوحش والمتعطش على الدوام، لاستنزاف ثروات الشعوب، ومقدراتها الوطنية، والطموح الأعمى لتسليع الإنسان وقيمه التي باتت تباع وتشترى في سوق نخاسة دولية، وظفت لها العلوم والمعارف التي راكمها الإنسان عبر تاريخ طويل، والمؤسسات الأممية لمزيد من إقناع الناس بأن هذه الخيارات طبيعية ومرتبطة بأوهام رخاء لم يتحقق في ظل ثورات اجتماعية عرفتها العديد من البلدان وفي كل القارات، دون استثناء.
الهزة العنيفة لكوفيد 19 أعادت الاعتبار للإنسان، منتج وخالق الثروات وأنه في هذا التقدم التكنولوجي الأعمى، لم يعد سيدا لنفسه، بل بات عبدا طيعا لهذا الجنوح نحو مراكمة الثروات.
فكان القرار الشجاع لملك المغرب، الذي انتبه قبل الجائحة إلى دعوة المجتمع المغربي في البحث عن أفق جديد للتنمية يحد من هذا الخصاص الاجتماعي المهول، وتفاقم أوضاع الهشاشة، التي تمس البشر في حياتهم اليومية.
ومع تداعيات أزمة كوفيد 19 في بدايتها الأولى. جاء الموقف مرة أخرى من جلالته، أكثر جرأة للتضحية بالاقتصاد حفاظا على حياة المغاربة. وليعلن ودون تردد على توفير المال ليكون في خدمة طمأنينة النفوس وأمنها الصحي وضمان القوت لمن توقفت مصادر أرزاقهم.
هذا السعي الحكيم لجلالته، يشكل اليوم ثورة ناعمة وهادئة، وبكل المقاييس، حين يعلن ملك البلاد للحكومة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، على ضرورات الاعتكاف العاجل، لتمتين لحمة المجتمع بتوفير الأليات الاجتماعية الحمائية، لكل الشرائح والفئات، ابتداء من يناير المقبل وعلى مدى الخمس سنوات المقبلة لتغيير ملامح المجتمع والسعي لتوطيد استقراره وتكافل أفراده ومجموعاته.
إنها مرحلة فاصلة وحاسمة في مسار تاريخنا الوطني، نتجاوز معها اليوم الأسئلة المغلوطة التي لوكتها ألسن الساسة على مدى عقد من الزمن، دون القدرة على تصريف الحلول، التي ترقى بالأوضاع الاجتماعية للناس في معيشهم اليومي.
عشنا شعارات براقة لم تنتج خبزا ولم تداوي مريضا ولم تعلم أميا علما نافعا.
لكن هذه المرحلة، تحتاج لإتمام معادلتها وتحصيل نتائجها المرتبطة بأهدافها النبيلة إلى رجال ونساء من المجتمع قادرين على حسن الإنصات والتجاوب البناء.
إن القوى المؤهلة تاريخيا، لهذا الأفق هي قوى اليسار المتشبعة بثقافة وقيم الانصاف الاجتماعي وتكريم الإنسان. لكن هل نتوفر على يسار في مستوى هذه الرهانات التاريخية، وفي مستوى السعي والتأثير في التوافقات الكبرى لإنجاز هذه الأهداف، مع المؤسسة الملكية؟
أقول وبألم، أن لنا يسارا يجيد التطاحنات وجلد الذات. يسار لم يقو في سياق هذه الظروف الدقيقة أن يلتئم ويجتمع عبر تنظيماته الحزبية للتفكير الجماعي في أسلوب جديد لإنقاذ البلاد والانخراط بعمق فكري في التحولات الجارية. وهي مهام لا تنتظر التأجيل.
لنكن صادقين أكثر مع ذواتنا، أن المدخل الأساسي لهذا اليسار الوطني، أن يكون هو الآخر شجاعا وجريئا، للقيام بنقد ذاتي أمام المغاربة. والإعلان جهرا عن أخطائه، وعن سوء تقديراته لأشكال إدارة الصراع المجتمعي وكيف ساهم وقاد قوى محافظة لتدبير الشأن العمومي على مدى عقد من الزمن.
لنكن واضحين كما الحقيقة، كفى من المطالب والخطابات التي لا تنتج رخاء اجتماعيا وازدهارا اقتصاديا.
كفى من تنظيرات متعالية عن وقائع وحاجات ملحة لجماهير شعبنا.
حان الوقت للانخراط الجدي والمسؤول في هذه الثورة الناعمة التي تختلف عن ثورات القرن الماضي وأغانيه الحماسية التي تلهب المشاعر.
ثورة اليوم تستدعي العودة لأسس ومقومات الفكر العقلاني الذي يزن الأمور بميزان بيض النمل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.