مظاهرة المشور في 14 و15 غشت 1953 بمراكش، استحضار لمواقف بطولية وروائع نضالية مهدت لملحمة ثورة الملك والشعب الخالدة

مظاهرة المشور في 14 و15 غشت 1953 بمراكش،  استحضار لمواقف بطولية وروائع نضالية مهدت لملحمة ثورة الملك والشعب الخالدة

يخلـد الشعـب المغربـي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير يوم السبت 15 غشت 2020، الذكرى السابعة والستين لمظاهرة المشور التي جسدت أروع صور النضال والتضحية والتحدي لمؤامرة السلطات الاستعمارية بإبعاد ونفي رمز السيادة الوطنية والوحدة، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، والعائلة الملكية الشريفة إلى المنفى السحيق وتنصيب صنيعة الإقامة العامة للحماية الفرنسية محمد بن عرفة،متوهمة أنها بفعلتها النكراء ستخمد جذوة الروح الوطنية وتفصم العرى الوثيقة والالتحام المكين بين العرش والشعب وتطفئ شعلة الكفاح الوطني في سبيل الحرية والاستقلال والوحدة الترابية.
فقبل أن تمتـد يد المستعمـر إلى رمـز السيادة الوطنية، اجتمعت فلول الباشوات والقواد الموالين للإقامة العامة للحماية الفرنسية بمراكش، وذلك للتحضير لمبايعة “ابن عرفة”. وما أن وصل إلى علم الوطنيين أن “ابن عرفة” سيتم تنصيبه يوم الجمعة 14 غشت 1953 بمسجد الكتبية بمراكش، حتى هبوا لمواجهة هذه الفعلة النكراء والمؤامرة الدنيئة حيث شهدت مدينة مراكش غليانا واحتقانا في أوساط الوطنيين والتنظيمات الشعبية. وعرف كل من باب هيلانة وقاعة بنهيض اتصالات لتشكيلتين رئيسيتين أعطيت الأوامر فيها للمناضلين، بعد أداء القسم، للحيلولة بكل الوسائل دون ذكر اسم “ابن عرفة” في خطبة الجمعة بمساجد مراكش. كما جرت اتصالات مباشرة بكل من المسؤول عن تشكيلة قبيلة مسفيوة، وكذا قبيلة تاسلطانت لتبليغ مضمون تلك التوجيهات واستقدام جماهير غفيرة من الوطنيين والمناضلين والمتطوعين للتصدي لخطة المستعمر بتنصيب صنيعته.
وفي حمأة هذه الظروف، وقعت عدة حوادث بمختلف مساجد مراكش كان من أهمها حادثة مسجد المواسين، ومسجد الكتبية، مما أدى إلى إفشال وإحباط عملية تنصيب السلطان المفروض يوم الجمعة 14 غشت 1953، وحدا بالسلطات الاستعمارية إلى تأجيلها إلى اليوم الموالي.
وفي يوم السبت 15 غشت 1953 المشهود، هبت حشود الوطنيين والمواطنين إلى ساحة المشور بالقصر الملكي بمراكش للتعبير عن غضبهم، حيث واجه المتظاهرون دورية من البوليس الاستعماري كانت تجوب المكان. فتدخل أفراد الدورية لتفريق الجموع وإبعادها عن باب المشور، وبدأوا يقذفون القنابل المسيلة للدموع. غير أن المتظاهرين أحاطوا بقوات الاحتلال واشتبكوا معها بشجاعة نادرة وبحماسة متقدة. وقد عرفت هذه الانتفاضة المباركة مشاركة واسعة لفئات وشرائح المجتمع الوطني ومنها المرأة المراكشية التي أبانت عن شجاعة نادرة وصمود منقطع النظير.
ونذكر في هذا المقام مثال الشهيدة فاطمة الزهراء بنت مولاي الحسن البلغيتي التي اخترقت الأحزمة الأمنية التي كانت تطوق الساحة وكانت تصرخ وتزغرد وتهتف بأعلى صوتها ومن جوف حنجرتها بحياة السلطان محمد بن يوسف حاملة العلم الوطني في يدها واستفز هذا المشهد النضالي الشجاع قوات الأمن التي أطلقت النار عليها لتسقط شهيدة، ملهبة بذلك حماس كافة المتظاهرين، وبعدها كان استشهاد التهامي المسيوي. وبذلك حازت مراكش الحمراء من جديد قصب السبق بتنظيم انتفاضة شعبية بإحكام وانتظام كالتي شهدتها المدينة في شهر شتنبر من سنة 1937، والتي كانت الصخرة التي تحطمت عليها أمواج المستعمر المتلاطمة. وهكذا أتت مظاهرة المشور من حيث توقيتها بيوم واحد قبل انتفاضة وجدة في 16 غشت 1953 وانتفاضة تافوغالت في 17 غشت 1953.
وقد ألهبت الشابة الشهيدة حماس الوطنيين، وقوت عزائمهم وهممهم في المواجهة والتصدي لقوات المستعمر التي شنت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الوطنيين والمقاومين والمناضلين ومحاكمتهم والزج بأعداد كبيرة منهم في السجون والمعتقلات والمنافي.
لقد كان لانتفاضة المشور بمدينة مراكش أبلغ الأثر في إرباك مخططات المستعمر، الذي أدرك وأيقن تمام اليقين أن الشعب المغربي ملتف حول العرش المنيف، صامد في وجه كل محاولة للمساس بسيادته ومقدساته ورموزه، حريص على عزة الوطن وكرامته. وتجددت هذه المواقف البطولية أياما قلائل بعد إقدام السلطات الأمنية والاستعمارية على فعلتها النكراء، إذ هب الشهيد علال بن عبد الله يوم 11 شتنبر 1953 بساحة المشور بالقصر الملكي بالربـاط ليواجه موكب “ابن عرفة”، مضحيا بروحه دفاعا عن السيادة والكرامة التي انتفض الشعب المغربي عن بكرة أبيه للذود عنها بكافة أساليب النضال الممكنة من مظاهرات وأعمال فدائية ومعارك بطولية إلى أن تحقق النصر المبين الذي وعد الله به عباده المؤمنين الصابرين بالعودة المظفرة من المنفى لبطل التحرير والاستقلال حاملا بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وإشراقة شمس الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية، وداعيا رحمه الله للانتقال من الجهاد الأصغر في سبيل الحرية والاستقلال الى الجهاد الأكبر من اجل البناء والنماء وإعلاء صروح الوطن.
وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تخلد، ككل سنة، هذه الذكرى المجيدة، لتستلهم من هذه الوقفة، وقفة الوفاء والبرور والعرفان، القيم الوطنية المثلى وأمجاد وروائع الكفاح الوطني التي هي مبعث فخر واعتزاز وإكبار للمغاربة جميعا، ومصدر قوة وتضامن وتماسك لمواصلـــة مسيرة بناء المغرب الحديث، في إجماع وطني حول ثوابت الأمة ومقدساتها وخياراتهــــا الكبرى.
كما تؤكد بالمناسبة صمودها وتعبئتها واستعدادها لمواصلة السير قدما على درب الملاحم والمكارم، وتمسكها الثابت والراسخ بمغربية الصحراء وبالوحدة الوطنية والترابية، مثمنة السيادة المغربية الشاملة في إطار مبادرة الحكم الذاتي.
وهو ما يستحث كافة القوى الحية وسائر أطياف ومكونات المجتمع الوطني على الانخراط في تعزيز التوجهات والاختيارات الكبرى التي يضطلع بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بما من شأنه بلورة النموذج التنموي الجديد القائم على روح المسؤولية والمبادرة وصواب الاختيارات والأولويات لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
إن الاستحضار التاريخي لحدث مظاهرة المشور بمراكش في 14 و15 غشت 1953، هو التزام بواجب إحياء الذاكرة التاريخية الوطنية بما تحمله من حمولة وازنة من الدروس والعبر ومن منظومة القيم الوطنية المثلى التي تحرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على إبرازها وتثمينها لتتشبع بأقباسها ومرجعياتها أجيال اليوم والغد لتتقوى فيها الروح الوطنية وحب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه وتترسخ فيها المثل العليا والقيم النبيلة والسلوك القويم ومكارم الأخلاق التي تبني الوطن وتؤمن المواطنة الحقة القادرة على مواجهة التحديات، وكسب رهانات التنمية والتقدم، وإعلاء صروح المغرب القوي والشامخ بين أمم وشعوب المعمور.
هذا، وتحل هذه الذكـرى في ظروف دقيقة وحرجة تجتازها بلادنا كسائر بلدان المعمور مع جائحة كورونا كوفيد19. ومع ذلك، فإننا أشد ما نكون حرصا على الاحتفاء بهذه الذكرى المجيدة كسائر الذكريات الوطنية الغراء في موعدها ومن خلال التواصل الرقمي.
وبهذه المناسبة الغالية، ستنظم النيابة الاقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بمدينة مراكش، عن بعد وبواسطة التواصل الرقمي، برنامجا حافلا بالأنشطة يتضمن كلمة السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالمناسبة، فضلا عن توزيع مساعدات مالية على 61 من المنتمين وذوي حقوق الشهداء والمتوفين منهم من الأرامل بغلاف مالي قدره 100.000.00 درهما، تفضل بدفع المبلغ كاملا من ماله الخاص المقاوم الحاج عبد الكريم الأطلسي شافاه الله، في تقيد والتزام تام بضوابط وقواعد التباعد الاجتماعي والسلامة الصحية التي توصي بها التوجيهات الحكومية.
وستتوج هذه الأنشطة بتنظيم ندوة فكرية عن بعد تتمحور حول موضوع: ” أحداث مراكش من شهر غشت 1953 الى بداية شهر نونبر 1955.” بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين مقتدرين في تأطير وتنشيط فعالياتها وهم السادة:
-الدكتور محمد اسموني، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش في موضوع.”مظاهرة المشور 15 غشت 1953، من ممهدات ثورة الملك والشعب”؛
-الاستاذ المكي مربى، أستاذ باحث في التاريخ والثقافة المغربية في موضوع: “حدث مظاهرة المشور 15 غشت 1953 : السياق التاريخي العام”؛
-الدكتور مولاي اسماعيل الناجي، رئيس مركز المنار للدراسات القانونية والفقهية وعنوان مساهمته العلمية:”مقومات وعي الحركة الوطنية ودوره في إنجاح مظاهرة المشور واندلاع ثورة الملك والشعب”؛
-الأستاذ زكريا البدراوي، أستاذ باحث في محاضرته الموسومة ب” أحداث المشور بمراكش 15 غشت 1953 : السياقات والوقائع”.
وفي سياق الشهادات، سيدلي الأستاذ محمد سومير، أستاذ باحث ونائب الكاتب العام لجمعية قدماء طلبة وتلامذة جامعة ابن يوسف العريقة بشهادة حية، كشاهد عيان، حول مضامين ومغازي هذه الذكرى، كما سيقدم المقاوم الفذ السيد لحسن زغلول من جانبه شهادة حية ومعاشة أيضا عن هذا الحدث التاريخي ليومي 14و15 غشت 1954 بمراكش.
كما تتضمن فعاليات برنامج الأنشطة بهذه المناسبة التي ستبث عبر وسائط التواصل الاجتماعي، فقرات أدبية وفنية ذات عمق وطني ونفس نضالي وحماسي بمساهمة الشاعرة المبدعة السيدة امينة حسيم والفنان المبدع السيد يوسف قاسمي جمال، رئيس فرقة جسور للموسيقى العربية وكذا الفنان المبدع السيد يوسف آيت الحاج.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.