انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت بإقليم بركان: محطتان بارزتان في المسارات التاريخية للحركة النضالية والتحريرية

انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت بإقليم بركان: محطتان بارزتان في المسارات التاريخية للحركة النضالية والتحريرية

فــي غمرة أجـواء الاحتفـاء بالذكـرى 67 لملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة، يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير يوم الأحد 16 غشت 2020، الذكرى 67 لانتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت بإقليم بركان.
إنهما محطتان وضاءتان في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وحدثان بارزان ومتميزان سيظلان موشومين في رقيم الذاكرة التاريخية الوطنية، يجسدان الدور الريادي والطلائعي الذي اضطلع به بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، الذي رفض الخضوع لإرادة الإقامة العامة للحماية الفرنسية الرامية إلى النيل من السيادة الوطنية وتأبيد الوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري ببلادنا.
فانتفاضة 16 غشت 1953 التي قادتها صفوة من الوطنيين من أبناء الجهة الشرقية الذين كانوا من السباقين إلى نشر الوعي الوطني واستنبات الأفكار والمبادئ الوطنية، مكنت هذه الربوع المجاهدة من ولوج التاريخ من بابه الواسع، بالنظر لما أسداه أبناؤها من خدمات جلى وتضحيات جسام، فكانت بحق قلعة من قلاع المغرب الصامدة في وجه قوات الاحتلال الأجنبي التي كانت تسعى إلى إحكام نفوذها وسيطرتها على البلاد.
لقد تصدى المغاربة وأبناء المناطق الشرقية لمحاولات القوى الأجنبية القادمة من الحدود الشرقية غزو بلادهم، وتمكن المرابطون على الحدود من مواجهتهم وردهم على أعقابهم. وفي هذا السياق، نورد مقتطفا من الدرر الثمينة التي خص بها فقيد الأمة والوطن جلالة المغفور له الحسن الثاني مدينة وجدة المناضلة حيث قال رحمه الله في حقها: “… ومنذ ذلك الحين، وتاريخ وجدة في كل سنة أو في كل حقبة كان مقرونا بالصراع الذي كنا نعرفه مدا وجزرا لغزو المغرب من هؤلاء وأولئك …”.
لقد كانت مدينة وجدة في قلب الصراع القائم بين المتربصين بحرية الوطن، وبينهم وبين المكافحين من أجل استرداد حريته وعزته وكرامته، وفي طليعتهم بطل التحرير والاستقلال، ورمز المقاومة جلالة المغفور له محمد الخامس، ووارث سره ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراهما. ولا غرو أن الملابسات التاريخية التي أفـرزت حدث انتفاضـة 16 غشت 1953 بوجدة، والأسباب المباشرة المؤدية إلى اندلاعها، تكمن بالأساس في اشتداد الأزمة بين القصر الملكي وسلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية، حيث اشتد الخناق والتضييق على جلالة المغفـور له محمد الخامس لإرغامه على فك الارتباط والابتعاد عن الحركة الوطنية والكف عن التواصل والتفاعل معها، بل والتنكر لها وإدانتها.غير أن الموقف الشهم والجريء الذي عبر عنه بطل التحرير والاستقلال رضوان الله عليه سيؤدي بسلطات الاحتلال الأجنبي إلى التفكير في نفيه ومعه ولي عهده آنذاك، جلالة المغفور له الحسن الثاني وسائر العائلة الملكية الشريفة.
لقد بادر قادة الحركة الوطنية والمقاومة بوجدة إلى الإعداد الدقيق والمحكم لانطلاق وإنجاح هذه الانتفاضة المباركة حيث تم اختيار يوم 16 غشت 1953، باعتباره كان يوم الأحد ويوم عطلة للقيام بعدة عمليات فدائية، نذكر منها مناوشات قوات الجيش الاستعماري بسيدي يحيى، وتخريب قضبان السكة الحديدية، وإحراق العربات والقاطرات، وإشعال النار في مخزون الوقود، وتحطيم أجهزة محطة توليد الكهرباء، ومداهمة الجنود في مراكزهم، ولا سيما بمركز القيادة العسكرية بسيدي زيان للاستيلاء على ما كان مخزونا به من عتاد حربي. كما شهدت مختلف مراكز المدينة مظاهرات انطلقت على الساعة السادسة مساء، وهي المظاهـرات التي واجهتهـا القوات الاستعمارية بوابل من الرصاص، قدر بنحو 20.000 رصاصة سقط على إثرها العديد من الشهداء وجرح العديد من المواطنين. وفي ليلة 18 غشت 1953، توفي مختنقا في إحدى زنازن الشرطة الاستعمارية، 14 وطنيا بسبب الاكتظاظ الذي نجم عن اعتقال المئات من الوطنيين. وامتدادا لهذه الانتفاضة، شهدت المناطق المجاورة لوجدة انتفاضات مماثلة، حيث عرفت مدينة بركان وتافوغالت مظاهرات حاشدة، وتم اعتقال العديد من المتظاهرين من بني يزناسن، ونقلهم إلى السجن الفلاحي العادر بإقليم الجديدة وإلى سجون أخرى.
لم تكن انتفاضة 16 غشت 1953 انتفاضة عفوية وتلقائية فحسب، بل كانت منظمة ومؤطرة، انتفاضة شاركت في انطلاقها أوسع فئات وشرائح المجتمع الوجدي من عمال وفلاحين وتجار وصناع وحرفيين صغار ومتوسطين وموظفين، وطالت كل الفئات الاجتماعية والعمرية، بحيث تسلح الجميع بالإيمان وبعدالة القضية الوطنية مزودين بوسائل وأدوات مواجهة بسيطة وتقليدية وهم يهللون ويكبرون: “الله أكبر”، “الله أكبر”، فكانت هذه الانتفاضة عارمة لم تكد تتسع لها كل أرجاء مدينة وجدة المناضلة.
ولن نجد تعبيرا بليغا عن هذه الانتفاضة المباركة، ولا تحليلا عميقا لها، ولا فهما يسبر أغوارها، أبلغ وأوفى من الذي خص به جلالة المغفور له الحسن الثاني انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة حيث قال رحمه الله عنها: “… وكانت وجدة في آخر المطاف يوم 16 غشت 1953 أول مدينة أعطت انطلاقة ثورة الملك والشعب، ذلك الشعب المغربي بكامله الذي كان يحس بأن المأساة قد اقتربت، وأن الصراع قد وصل إلى أقصاه، وأن المسالة سوف تنتهي، ولا بد أن تنتهي إما بنفي الملك أو بتراجع فرنسا…”.
إن انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وما تلاها من انتفاضة تافوغالت وبركان وبني يزناسن والمناطق المجاورة، أبانت عن مدى التلاحم والترابط القائم بين القمة والقاعدة، والذي تجلى في موقف جلالة المغفور له الحسن الثاني وهو آنذاك ولي للعهد الذي كان العقل المدبر لهذه الانتفاضة المباركة، مما حدا بسلطات الاحتلال إلى محاكمة سموه وجلالته غيابيا. وفي هذا الصدد، يقول رحمة الله عليه: “… وصار ما صار، وأراد الله أن يكون اسمي شخصيا مقرونا بتلك الأحداث التي جرت في وجدة، الشيء الذي جعلني أحال غيابيا على المحكمة العسكرية ونحن في المنفى…”.
لقد شكلت انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت بإقليم بركان، منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وميزت الأدوار الطلائعية للجهة الشرقية في ملحمة الحرية والاستقلال بما قدمه أبناؤها من تضحيات جسام، وبدماء شهدائها الأبرار، التي سقت شجرة الحرية والاستقلال، وافتدت العرش والوطن.
وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد، ككل سنة، هاتين الذكريتين المجيدتين لتستلهم من هذه الوقفة، وقفة الوفاء والبررو والعرفان، القيم الوطنية المثلى وأمجاد وروائع الكفاح الوطني التي هي مبعث فخر واعتزاز وإكبار للمغاربة جميعا، ومصدر قوة وتضامن وتماسك لمواصلـــة مسيرة بناء المغرب الحديث، في إجماع وطني حول ثوابت الأمة ومقدساتها وخياراتها الكبرى .
كما تؤكد بالمناسبة صمودها وتعبئتها واستعدادها لمواصلة السير قدما على درب الملاحم والمكارم وتعلقها الراسخ بمغربية صحرائنا ووحدتنا الوطنية والترابية، مشيدة بمضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 21 لاعتلاء جلالته عرش أسلافه الغر الميامين والذي يعتبر صحوة متجددة ونقلة نوعية وثابة في مسيرة بلادنا وتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية وذلك بتخصيص اعتماد مالي يبلغ 120 مليار درهم لتوفير التغطية الصحية لجميع أفراد الشعب المغربي في أفق الخمس سنوات المقبلة، فضلا عن دعم المؤسسات والمقاولات التي تعاني من اكراهات ناجمة عن تفشي جائحة كورونا التي واجهتها بلادنا بما يجب من المبادرات الشجاعة والاستباقية والحكامة الجيدة والتدابير الصائبة.
وإذ تحل هاتين الذكـريتين في ظروف دقيقة وحرجة تجتازها بلادنا كسائر بلدان المعمور مع جائحة كورونا كوفيد19. فإن النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بوجدة أعدت برنامجا حافلا بالأنشطة التي ستقام عن بعد ومن خلال التواصل الرقمي، تؤثثه ندوة علمية حول موضوع: “أحداث 16 غشت ودورها في إذكاء الحس الوطني”.
ويساهم في تنشيط هذه الندوة العلمية، بالإضافة إلى كلمة المناسبة التي سيلقيها السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أساتذة جامعيون وباحثون أكاديميون وهم:

  • الدكتور محمد مصلح عن المجلس العلمي المحلي لوجدة في مداخلة تحت عنوان: “دور القيم الدينية والوطنية في ترسيخ الإرادة وإذكاء روح المقاومة الشعبية”
    -الدكتور محمد حرفي نائب رئيس منظمة 16 غشت 1953 في موضوع: “أحداث 16 غشت 1953 بوجدة: قبيل اليوم الموعود لمواجهة المؤامرة”،
  • الدكتور العربي النشيوي أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – شعبة التاريخ- بوجدة والذي سيتناول: “انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة: ملحمة في سجل ملاحم الكفاح الوطني للجهة الشرقية”
    -الأستاذ عمر قلعي حول: “أحداث غشت 1953 من خلال أزجال محمد بوشفرة”
    -الأستاذ يحيى بصراوي في موضوع”ثورة غشت 1953 بشرق المغرب: بين السبق النضالي والواجب الوطني”.
    كما ستنظم النيابة الاقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ببركان وفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بها، ندوة علمية عن بعد ستلقي خلالها الدكتورة سعيدة عبد الخالق، عضوة المجلس العلمي ببركان مداخلة تحت عنوان، “دور جمعية العلماء الجزائريين في الدفاع عن السلطان محمد الخامس في منفاه”، تليها مداخلة للاستاذ الباحث عبد الله لحسايني تحت عنوان، “ملحمة الاستقلال: العمل السياسي والكفاح المسلح 1953-1956، وستقدم القيمة على الفضاء الذاكرة التاريخية ببركان مداخلة تحت عنوان: ” احداث انتفاضة 16و17 غشت 1953، الشرارة الاولى لاندلاع ثورة الملك والشعب 20 غشت 1953″.
    كما سيتم نشر نبذ تاريخية لأسماء بارزة لشهداء ومقاومين لعبوا ادوارا طلائعية في اندلاع ملحمتي 17و20 غشت 1953 بالصفحة الرسمية لفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير ببركان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.