ما بعد المينورسو… الملك محمد السادس يستبق تحولات الصحراء ويرسم ملامح مرحلة جديدة

ما بعد المينورسو… الملك محمد السادس يستبق تحولات الصحراء ويرسم ملامح مرحلة جديدة
بقلم: حبيل رشيد

يقول المفكر الاستراتيجي الألماني كارل فون كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب»: «الحرب مجرد استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل خصصت لتدارس مرحلة ما بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، في توقيت يحمل دلالات سياسية ومؤسساتية واستراتيجية تتجاوز حدود انتهاء مهمة أممية امتدت لعقود. فالمغرب يدخل مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لموازين القوة، واستيعاباً للتحولات التي عرفها الملف، واستعداداً لمتطلبات سياسية وأمنية ودبلوماسية مختلفة. إنها لحظة انتقال من تدبير مرحلة ارتبطت بوجود البعثة إلى مواجهة استحقاقات مرحلة تتطلب وضوح القرار وتكامل المؤسسات واستمرار المبادرة.

لقد اتسم المسار المغربي خلال السنوات الأخيرة بتطور ملحوظ في طريقة التعاطي مع القضية الوطنية، من الدفاع الدبلوماسي عن الموقف المغربي إلى توسيع المبادرة، وتطوير الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور الاقتصادي والتنموي بالأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا المسار رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس القائمة على النفس الطويل، وحسن اختيار التوقيت، وتراكم المكاسب، والانتقال من رد الفعل إلى التأثير في اتجاهات النقاش الدولي. فالدولة التي تحسن تدبير الزمن السياسي تستطيع تحويل الانتظار إلى فرصة، والضغوط إلى مجال للمناورة، والتحولات الخارجية إلى عناصر داعمة لمصالحها الاستراتيجية.

وتكتسب جلسة الأربعاء أهميتها كذلك من طبيعة الحضور المؤسساتي، بمشاركة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار صاحب الجلالة الملك محمد السادس فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية. فهذا الاجتماع يعكس تلاقي مستويات القرار السياسي والإداري والأمني والعسكري، ويؤشر إلى أن المرحلة المقبلة تقتضي تنسيقاً متكاملاً بين المؤسسات، كل في نطاق اختصاصه. فالحكومة مطالبة بمواصلة البرامج التنموية، ووزارة الداخلية بمواكبة الإجراءات الإدارية والترابية المرتبطة بالبعثة، والمؤسسة العسكرية بضمان الجاهزية وحماية سلامة التراب الوطني، فيما يندرج حضور مستشار صاحب الجلالة ضمن متابعة ملف استراتيجي بالغ الأهمية.

وتبرز أهمية المرحلة الانتقالية في ضرورة التمييز بين انتهاء ولاية المينورسو وبين التصفية الفعلية للبعثة وانسحاب أفرادها ومعداتها. فتعذر تجديد الولاية داخل مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 أفضى إلى انتهاء التفويض الأممي دون تمديده، بينما تظل عملية التصفية والانسحاب مرتبطة بترتيبات إدارية ولوجستية وتنسيق مع الأمم المتحدة. ومن هنا تأتي أهمية مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية، باعتباره آلية لمواكبة الإجراءات وضمان انتظامها، وتفادي أي ارتباك ميداني أو مؤسساتي.

وتفرض هذه المرحلة يقظة قانونية ودبلوماسية، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن انتهاء الولاية من ترتيبات مرتبطة بالتواصل وتبادل المعلومات وتدبير الوضع الميداني. كما أن انتهاء التفويض الأممي لا يعني تلقائياً زوال جميع الالتزامات والترتيبات المرتبطة بالبعثة، ولا ينبغي الخلط بين انتهاء الولاية واستكمال الانسحاب. فالتدبير الرصين يقتضي احترام الإجراءات المنظمة للعملية، مع صيانة المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، وتفادي أي فراغ يمكن أن تستغله الأطراف المتنازعة لإرباك الاستقرار.

وعلى المستوى الجيوسياسي، راكم المغرب خلال السنوات الماضية مواقف دولية داعمة لمبادرة الحكم الذاتي، ووسع دائرة الاعترافات والمواقف المؤيدة للسيادة المغربية على الصحراء، مع تعزيز علاقاته مع قوى دولية وازنة وشركاء إقليميين. وتكمن أهمية هذا التراكم في انتقال المبادرة المغربية إلى موقع أكثر حضوراً في الحسابات الدبلوماسية الدولية، باعتبارها تصوراً سياسياً يستند إلى الواقعية وإمكانية بناء تسوية مستدامة. ومع ذلك، تظل الدقة ضرورية في التمييز بين الاعتراف الصريح بالسيادة، ودعم مبادرة الحكم الذاتي، والمواقف التي تعتبرها أساساً جدياً وواقعياً للتفاوض.

إن السياسة الدولية محكومة بتوازن دقيق بين الشرعية والمصلحة، وبين المبادئ والحسابات الاستراتيجية. ولذلك فإن توسيع التأييد للموقف المغربي يتطلب استمرار العمل الدبلوماسي، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية، وإقناع الأطراف المؤثرة بأن استقرار المنطقة يخدم المصالح المشتركة. وقد منح قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 مبادرة الحكم الذاتي مكانة أساسية في مسار المفاوضات، وهو تطور يعكس أهمية المقترح المغربي في النقاش الدولي، دون أن يعني انتهاء المسار السياسي أو تجاوز مقتضيات الشرعية الدولية.

وفي الداخل، تظل الوحدة الوطنية أساس كل تحرك استراتيجي. فقضية الصحراء المغربية ترتبط بوحدة الدولة والذاكرة الجماعية والمصير المشترك، وتتجاوز الحسابات الحزبية والانتخابية والاصطفافات الظرفية. ومن ثم، تتحمل الأحزاب والبرلمان والجامعة والإعلام والمجتمع المدني مسؤولية حماية الإجماع الوطني، عبر خطاب مسؤول ومعرفة دقيقة بالتطورات، ومواجهة التضليل، والابتعاد عن توظيف القضية في المزايدات السياسية. فالإجماع الذي يستند إلى المعرفة والمؤسسات والمشاركة يصبح قوة وطنية متجددة، ويمنح الموقف المغربي عمقاً يتجاوز حدود الخطاب السياسي.

وتشكل العناية بالفئات التي قدمت تضحيات في سبيل الدفاع عن الوحدة الترابية جزءاً من مسؤولية الدولة تجاه ذاكرتها الوطنية. فاستحضار تضحيات العسكريين وقدامى المحاربين ينبغي أن يواكبه اهتمام فعلي بأوضاعهم الاجتماعية والمعيشية، وضمان شروط الكرامة والرعاية والإنصاف. فالوفاء للوطن يكتمل بالوفاء لمن تحملوا أعباء الدفاع عنه، والاعتراف بالتضحيات ينبغي أن يتجسد في سياسات عمومية ملموسة.

وتبقى التنمية بالأقاليم الجنوبية أحد أهم الاختبارات العملية للمرحلة المقبلة. فالمشاريع الكبرى والبنيات التحتية والموانئ والمناطق الصناعية ينبغي أن تنعكس على فرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، وتحسين الخدمات العمومية، وتمكين الشباب، وجذب الاستثمار المنتج. كما أن الإنصاف المجالي والمشاركة الفعلية للساكنة في تدبير الشأن المحلي يشكلان أساساً لترسيخ الثقة وتعزيز الاستقرار. فالمواطن الصحراوي ينبغي أن يكون شريكاً في صناعة القرار التنموي، وصاحب مصلحة مباشرة في ثمار المشاريع الوطنية، بما يضمن انتقال التنمية من مؤشرات الاستثمار إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية.

أما البعد الأمني، فيفرض الجمع بين اليقظة والردع المسؤول واحترام الالتزامات الدولية. فالتأكيد على استمرار احترام وقف إطلاق النار يحمل رسالة مفادها أن انتهاء ولاية المينورسو لا يغير التزام المغرب بتجنب التصعيد غير المحسوب. وفي المقابل، تظل حماية الحدود وسلامة المواطنين من صميم المسؤوليات السيادية للدولة. إن القوة الاستراتيجية تظهر في القدرة على حماية المصالح الوطنية دون الانجرار إلى مغامرات مكلفة، وعلى إبقاء المجال مفتوحاً أمام الحلول السياسية والدبلوماسية، مع الحفاظ على الجاهزية اللازمة لمواجهة مختلف الاحتمالات.

إن جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم الأربعاء 4 نونبر 2026 تؤشر إلى مرحلة تتطلب أكثر من تدبير الإجراءات المرتبطة بانتهاء ولاية البعثة؛ إنها تضع أمام المؤسسات مسؤولية تحويل التراكم الدبلوماسي إلى قوة سياسية ومؤسساتية، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع. وهنا تتجلى قيمة الرؤية الملكية في الجمع بين وضوح الثوابت ومرونة الأدوات، وبين الحزم السيادي والنفس الدبلوماسي، وبين حماية المجال الوطني والاستثمار في المستقبل.

فما بعد المينورسو سيكشف مدى قدرة المغرب على تحويل المكاسب الدولية إلى قوة داخلية مستدامة، وعلى جعل الوحدة الترابية رافعة للتنمية والإنصاف والاندماج. فالمكانة الدولية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تجد ترجمتها في مؤسسات فعالة، ومجتمع متماسك، ومواطن يشعر بثمار الاستقرار في حياته اليومية. وتلك هي المعركة الاستراتيجية الأعمق: أن تتحول قوة الموقف إلى قوة دولة، وأن يصبح رصيد الدبلوماسية أساساً لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *