الدكتور عبد الإله طلوع لـ«مجلة 24»: الحكومة الجديدة أمام اختبارات أكبر من مجرد تشكيل الأغلبية
في حوار خصّ به «مجلة 24» الإلكترونية، توقف الباحث في العلوم السياسية الدكتور عبد الإله طلوع عند أبرز التحديات التي تنتظر رئيسة الحكومة المكلّفة فاطمة الزهراء المنصوري، سواء على مستوى تشكيل الحكومة وهندسة أغلبيتها، أو على مستوى البرنامج الحكومي والرهانات الاجتماعية والحقوقية التي تفرض نفسها بإلحاح.
واعتبر طلوع أن رئيسة الحكومة المكلّفة اجتازت أول اختبار سياسي لها، بعدما بدا أنها اختارت عدم إعادة إنتاج تجربة الحكومة السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بمشاركة حزب التجمع الوطني للأحرار في الأغلبية الجديدة. وشدد على أن هذا التطور، وإن كان مهماً، لا يعدو أن يكون اختباراً أولياً، لأن الامتحانات الكبرى ستبدأ مع الإعلان عن تركيبة الحكومة وبرنامجها.
وأوضح الباحث أن هندسة الحكومة المقبلة ستكون مؤشراً أساسياً على طبيعة المرحلة، مشيراً إلى أن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل يجب أن ينصب أيضاً على طبيعة الكفاءات والأسماء المقترحة، ومدى قدرتها على استعادة ثقة المواطنين.
وفي هذا السياق، شدد طلوع على ضرورة الابتعاد عن الوجوه التي استُهلك حضورها السياسي والتنفيذي، خصوصاً تلك التي تحيط بها شبهات تضارب المصالح أو التي ارتبط اسمها، حسب تعبيره، بـ« الفراقشية»، داعياً إلى فتح المجال أمام كفاءات جديدة وذات مصداقية، بما فيها أسماء من المجتمع المدني ومجالات الخبرة المهنية.
واعتبر أن إشراك هذه الكفاءات يمكن أن يشكل إحدى آليات تعزيز الثقة في المؤسسات، خصوصاً في ظل ضعف المشاركة الانتخابية، مبرزاً أن التحدي لا يرتبط فقط بمن فاز بالانتخابات، وإنما أيضاً بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على إقناع المواطنين بجدوى المشاركة السياسية.
● المحاسبة شرط أساسي
وفي حديثه عن حضور التكنوقراط داخل الحكومة والإدارة، حذر الدكتور طلوع من إعادة إنتاج نموذج المسؤولين الذين أمضوا سنوات طويلة في مواقع القرار بعيداً عن المحاسبة السياسية والمجتمعية الكافية.
وقال إن الاستعانة بالتكنوقراط لا تعني بالضرورة غياب الكفاءة السياسية، لكن المسؤولية العمومية، في نظره، يجب أن تكون مرتبطة دائماً بمبدأ المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول الخبرة التقنية إلى غطاء لاستمرار بعض الوجوه في مواقع القرار دون تقييم حقيقي للحصيلة.
● 100 يوم الأولى… الاختبار الحقيقي
ولم يستبعد طلوع أن تكون المائة يوم الأولى من عمر الحكومة الجديدة محطة حاسمة للحكم على قدرتها على الفعل، داعياً إلى اعتماد إجراءات استعجالية تستجيب للمشكلات التي تؤرق المواطنين في حياتهم اليومية.
وشدد، في هذا الصدد، على ضرورة وضع القدرة الشرائية ومحاربة غلاء الأسعار في صدارة الأولويات، إلى جانب إطلاق مسار للانفراج الحقوقي، وتعزيز آليات مكافحة الفساد، وتقديم إجراءات تمنح الشباب إحساساً بوجود أفق جديد.
وأكد أن المواطن، بحسب تعبيره، لا ينتظر فقط تغيير الأسماء والوجوه، وإنما ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية.
● تحذير من أغلبية حكومية مفرطة
وفي ما يتعلق بطبيعة الائتلاف الحكومي، اعتبر طلوع أن توسيع الأغلبية إلى عدد كبير من الأحزاب قد يطرح إشكالية تتعلق بالتوازن بين الأغلبية والمعارضة.
وأوضح أن وجود معارضة قوية وفعالة يشكل عنصراً أساسياً في الحياة البرلمانية، بالنظر إلى أدوارها في الرقابة والمساءلة، محذراً من أن تضخم الأغلبية قد يؤدي عملياً إلى إضعاف إحدى أهم وظائف البرلمان.
● ملف الصحراء… بين التفاؤل والحذر
وانتقل الحوار مع «مجلة 24» إلى ملف الصحراء، في ضوء التطورات الأخيرة المرتبطة بالمسار الأممي والمفاوضات التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا.
ولفت طلوع إلى أن النقاش حول مستقبل النزاع دخل مرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع طرح أفكار تتعلق بترتيبات انتقالية وبكيفية تدبير المرحلة التي قد تسبق أي تسوية سياسية نهائية.
كما توقف عند النقاش المرتبط بمقترح الحكم الذاتي، معتبراً أن الحديث عن التسوية لا يمكن أن يختزل في الشعارات، بل يقتضي.التوقف عند التفاصيل القانونية والسياسية والمؤسساتية التي ما تزال موضع تفاوض بين الأطراف.
وشدد الباحث على ضرورة التمييز بين وجود تطورات إيجابية في المسار الدبلوماسي وبين الوصول فعلياً إلى تسوية نهائية، معتبراً أن استمرار التباعد بين مواقف الأطراف يجعل الحذر والتحليل الهادئ أكثر ضرورة.
●هل نحتفل قبل اكتمال التسوية؟
وفي هذا السياق، طرح الدكتور عبد الإله طلوع سؤالاً لافتاً حول ما إذا كانت بعض الخطابات السياسية قد سبقت مسار المفاوضات، من خلال التعامل مع بعض المؤشرات باعتبارها نتائج نهائية.
واعتبر أن التفاؤل لا يتعارض مع اليقظة، وأن من حق الرأي العام المغربي أن يطرح الأسئلة حول مستقبل هذا الملف، خصوصاً أنه يرتبط بأحد أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية المغربية.
وختم طلوع بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تضع أمام الحكومة الجديدة مسؤوليات متعددة: استعادة الثقة، تحسين القدرة الشرائية، تعزيز الانفراج الحقوقي، مكافحة الفساد، تجديد النخب، والحفاظ على توازن مؤسساتي حقيقي بين الأغلبية والمعارضة.
وخلص إلى أن نجاح الحكومة لن يقاس فقط بطريقة تشكيلها، وإنما بما ستفعله بعد تشكيلها، وبمدى قدرتها على تحويل الوعود السياسية إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطن بأثرها.

