عيد الشباب في المغرب.. من سواعد تبني طريق الوحدة إلى أجيال تبحث عن الأمل أمام أسوار سبتة

عيد الشباب في المغرب.. من سواعد تبني طريق الوحدة إلى أجيال تبحث عن الأمل أمام أسوار سبتة
متابعة مجلة 24

ليس عيد الشباب في المغرب مجرد تاريخ في رزنامة الأعياد الوطنية، بل هو محطة تؤكد أن الدولة المغربية، منذ فجر الاستقلال، جعلت من الشباب قضية وطنية قائمة بذاتها. فحين أقر الملك الراحل محمد الخامس سنة 1956 إحداث هذا العيد، لم يكن الأمر مجرد اختيار بروتوكولي، بل رؤية تهدف إلى دمج الأجيال الصاعدة في معركة التنمية والبناء. واليوم، والمغرب يخلد ذكرى 21 غشت لسنة 2026، يطرح سؤال جوهري نفسه بحدة: كيف نجعل الشباب قوة بناء لا طاقة مهدرة، وكيف نرسخ إيمانهم بأن مستقبلهم يكمن داخل وطنهم وليس خارجه؟

لفهم هذه الفلسفة، تكفي العودة إلى ملحمة طريق الوحدة سنة 1957، حين استجاب حوالي 12 ألف شاب مغربي لنداء العمل التطوعي لربط شمال المغرب بجنوبه. لم يكن الورش مجرد تعبئة يدوية، بل مدرسة وطنية أشرف عليها ولي العهد آنذاك، الأمير مولاي الحسن، ليتعلم فيها الشباب الانضباط والعمل الجماعي وخدمة الصالح العام. رسالة تلك المرحلة كانت واضحة، فالدولة لم تكتف بالقول إن الشباب هم المستقبل، بل أشركتهم فعليا في بنائه. وبنفس الروح، لبى الشباب نداء المسيرة الخضراء سنة 1975، ليؤكدوا مجددا قدرتهم على صنع الحدث متى وجدوا قضية وطنية جامعة.

غير أن الأجيال تغيرت وتبدلت معها التحديات. فمع بداية التسعينيات، برزت بطالة حاملي الشهادات كأزمة اجتماعية استدعت إحداث المجلس الوطني للشباب والمستقبل سنة 1991. ومع تولي الملك محمد السادس العرش، تواصلت مركزية قضايا الشباب، حيث اعتبرهم الثروة الحقيقية للبلاد، مؤكدا أن هذه الثروة تحتاج إلى فرص ملموسة في التعليم والشغل والصحة وتجديد الثقة في المستقبل. ورغم تعدد البرامج والمبادرات، ظل التحدي الأكبر هو قياس أثرها الفعلي على حياة هؤلاء الشباب.

وقد شكلت سنة 2011 منعرجا حاسما بانتقال الشباب من قاعات الانتظار إلى الشارع، مطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية. تلا ذلك بروز حراك الريف واحتجاجات جرادة، وصولا إلى أواخر سنة 2025 التي شهدت ظهور ما عرف بجيل زيد، وهي حركة شبابية اعتمدت على المنصات الرقمية مثل ديسكورد وتيك توك للتعبئة والمطالبة بتحسين قطاعات الصحة والتعليم والشغل. هذه التحولات تؤكد أن الشباب يبحثون دائما عن قنوات لإسماع صوتهم، وحين تضيق القنوات التقليدية، يبتكرون بدائلهم الخاصة.

ولعل أقسى رسالة وجهها الشباب مؤخرا لم تكن مكتوبة على لافتة، بل تجسدت في أحداث مدينة سبتة المحتلة خلال صيف 2026، حين حاول الآلاف، بينهم قاصرون، العبور نحو الضفة الأخرى. فشاب يهتف في الساحة يمكن محاورته، لكن من يلقي بنفسه في البحر أو يتسلق الأسوار الحدودية يكون قد فقد الأمل في الحوار أصلا.

إن استحضار هذه المحطات يفرض جعل عيد الشباب موعدا وطنيا سنويا للمحاسبة وتقييم السياسات العمومية، لتحديد مسارات دمج الشباب في دورة الإنتاج وتقليص هوة التهميش. المغرب اليوم يحتاج إلى طريق وحدة جديدة، ليست معبدة بالإسفلت، بل طريقا تربط المدرسة بسوق الشغل، والقرية بالمدينة، والكفاءة بالفرصة المستحقة، لكي لا يضيع جيل بأكمله بين مطرقة البطالة وسندان الهجرة، ولكي يظل حلم بناء الوطن أقوى من رغبة مغادرته.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *