منتخب المغرب النسوي.. هل حان وقت منح الثقة للكفاءات الوطنية؟
لم يكن خروج المنتخب الوطني المغربي النسوي من سباق التتويج بكأس أمم إفريقيا، التي يحتضنها المغرب، مجرد خسارة في مباراة أو ضياع لقب كان قريبا من خزائن الكرة المغربية، بل فتح من جديد سؤالاً أكبر حول الاختيارات التقنية التي اعتمدتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
فالمنتخب المغربي كان يطمح إلى تحقيق اللقب الإفريقي، بعد وصوله إلى المباراة النهائية في النسخة السابقة، غير أن الحلم لم يتحقق، رغم الإمكانيات الكبيرة التي وفرتها الجامعة، ورغم الاستثمارات المهمة التي عرفتها كرة القدم النسوية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
ولا أحد يمكنه أن ينكر التطور الكبير الذي عرفته الكرة النسوية بالمغرب، سواء على مستوى البنية التحتية أو التكوين أو المنتخبات الوطنية أو الأندية، لكن هذا التطور يفرض في المقابل طرح أسئلة صريحة حول طريقة اختيار الأطر التقنية التي تقود المنتخبات الوطنية.
ومن بين هذه الأسئلة: لماذا الاستمرار في الاستعانة بالأطر الأجنبية، في الوقت الذي تزخر فيه الساحة المغربية بكفاءات وطنية أثبتت قدرتها على تحقيق النتائج؟
هنا تبرز بقوة تجربة المدربة المغربية لمياء بومهدي، التي لم تعد تحتاج إلى تقديم نفسها للجمهور المغربي أو الإفريقي.
فبومهدي ليست مجرد مدربة وطنية تبحث عن فرصة، وإنما اسم أصبح مرتبطاً بالإنجازات والألقاب على المستوى القاري.
وقد توجت بجائزة أفضل مدربة في إفريقيا لسنتي 2024 و2025، وهو إنجاز تاريخي جعلها تحتفظ بالجائزة للمرة الثانية على التوالي.
كما قادت فريق تي بي مازيمبي الكونغولي إلى التتويج بدوري أبطال إفريقيا للسيدات سنة 2024، وكانت أول امرأة تقود فريقاً إلى هذا اللقب القاري.
والأهم من ذلك أن لمياء بومهدي ابنة المدرسة الكروية المغربية، ولاعبة دولية سابقة، وسبق لها أن أشرفت على المنتخب الوطني المغربي لأقل من 20 سنة، وقادته إلى التتويج ببطولة شمال إفريقيا سنة 2019.
فإذا كانت الجامعة تبحث عن مدرب يمتلك التجربة، فبومهدي تمتلكها.
وإذا كانت تبحث عن مدرب يعرف عقلية اللاعبة المغربية، فهي تعرفها أكثر من أي مدرب أجنبي.
وإذا كانت تبحث عن مدرب قادر على تحقيق الألقاب، فإن سجلها القاري يتحدث عنها.
وإذا كانت تبحث عن مدرب يحظى بالاعتراف الإفريقي، فإن جائزة أفضل مدربة في إفريقيا لسنتين متتاليتين كافية للإجابة.
المفارقة أن اسم بومهدي كان حاضراً ضمن قائمة المرشحين لجائزة أفضل مدربة في إفريقيا إلى جانب الإسباني خورخي فيلدا، مدرب المنتخب المغربي، والنيجيري جاستن مادوغو.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: لماذا لا تمنح الجامعة المغربية فرصة حقيقية للكفاءات الوطنية؟
ليس المقصود من هذا السؤال التقليل من قيمة المدرب الإسباني خورخي فيلدا، ولا إصدار حكم مسبق على عمله، وإنما الدعوة إلى تقييم الاختيارات التقنية بمنطق النتائج والكفاءة والاستمرارية.
فالمدرب الأجنبي عندما يأتي إلى المغرب يحصل عادة على ثقة كبيرة، ووقت كافٍ، وإمكانيات لوجستيكية ومالية مهمة، بينما تجد الكفاءات الوطنية نفسها في كثير من الأحيان مطالبة بإثبات نفسها في ظروف أكثر صعوبة.
وهذا يفتح نقاشاً مشروعاً حول فلسفة الجامعة في تدبير المنتخبات النسوية.
هل الخبرة الأجنبية شرط للنجاح؟
أم أن المغرب أصبح يمتلك اليوم من الخبرات الوطنية ما يسمح له بصناعة مدربيه ومدرباته، بدل الاستمرار في البحث عن الحلول خارج الحدود؟
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الكرة النسوية المغربية لم تعد في حاجة إلى مرحلة التجريب، بل تحتاج إلى مشروع واضح، وإلى اختيارات تقنية تقوم على الكفاءة والنتائج، وليس على جنسية المدرب.
فإذا كان الهدف هو بناء منتخب قادر على المنافسة قارياً وعالمياً، فإن الاستثمار يجب ألا يكون فقط في اللاعبات والملاعب والتجهيزات، بل أيضاً في الأطر الوطنية التي يمكن أن تحمل مشروع الكرة النسوية المغربية لسنوات طويلة.
إن خسارة لقب أو نهائي ليست نهاية العالم، لكن تكرار الأخطاء دون مراجعة الاختيارات قد يكون أكثر خطورة من الخسارة نفسها.
ولذلك، فإن السؤال اليوم ليس فقط: لماذا لم يفز المنتخب المغربي بالكأس؟
بل السؤال الأهم: هل أعطينا فعلاً كل الكفاءات المغربية فرصتها كاملة؟
ولمياء بومهدي نموذج صارخ لهذا السؤال.
مدربة مغربية صنعت لنفسها اسماً في إفريقيا، وحصدت جائزة أفضل مدربة في القارة مرتين متتاليتين، وحققت إنجازات خارج المغرب، بينما تظل أبواب المنتخب الوطني الأول بعيدة عنها.
ربما حان الوقت لكي تعيد الجامعة النظر في فلسفة اختيار الأطر، وأن تمنح “أبناء الدار” فرصتهم، ليس من باب المجاملة أو الوطنية فقط، وإنما لأن بعضهم أثبت بالفعل أنه قادر على المنافسة وتحقيق الألقاب.
فالمنتخب الوطني ليس ملكاً لمدرب أجنبي أو إطار وطني، وإنما هو ملك للمغرب.
ومن حق الجمهور المغربي أن يسأل، ومن حق الكفاءات الوطنية أن تنافس، ومن حق الكرة النسوية المغربية أن تختار الأفضل.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم بكل جرأة: متى ستمنح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ثقتها الكاملة للكفاءات الوطنية، وفي مقدمتها لمياء بومهدي؟

