بين العمل الاستقصائي والتوظيف السياسي.. ملف بيغاسوس يطفو مجددا على السطح تزامنا مع التقارب المغربي الفرنسي
عاد ملف برنامج التجسس بيغاسوس ليطفو على السطح من جديد في الساحة الدولية، إثر إفراج منظمة فوربيدن ستوريز عن معطيات مستحدثة، وذلك في توقيت دقيق يتزامن مع التقارب الملحوظ والدينامية الإيجابية التي تطبع العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وباريس.
وقد أثارت المنظمة، مدعومة بمنابر إعلامية شريكة، زوبعة النقاش مجددا حول المزاعم المرتبطة باستخدام هذا النظام الإسرائيلي، معتمدة في ذلك على شهادة غامضة لمصدر مجهول الهوية. هذا المعطى أعاد طرح علامات استفهام كبرى حول موثوقية الأدلة المعتمدة في التحقيقات الاستقصائية، والخط الرفيع الذي يفصل بين كشف الحقائق والاستغلال السياسي في ظل سياقات دولية بالغة الحساسية.
ويأتي هذا التطور في خضم مرحلة انتقالية تشهد فيها الروابط المغربية الفرنسية انتعاشة غير مسبوقة، تجلت بوضوح في الدعم الصريح لفرنسا لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وتكثيف الزيارات الرسمية لتعزيز الشراكات المتبادلة. وفي هذا الصدد، يرى محللون أن نبش هذا الملف في هذا الظرف بالذات يثير الشكوك حول مدى توظيف الآلة الإعلامية والاستخباراتية للتشويش على سيرورة العلاقات الثنائية، حيث لا يمكن عزل البعد الأمني عن التجاذبات السياسية، لتتحول المعلومة بذلك إلى ورقة ضغط وتوجيه في رقعة الشطرنج الدولية.
وتندرج هذه القضية ضمن نقاش عالمي محتدم حول تنامي استخدام برمجيات المراقبة الرقمية، ومدى مساسها بخصوصية الأفراد واختراقها للبيانات الدقيقة. غير أن المنتقدين لطريقة تعاطي المنظمة مع الملف يؤكدون أن الاستناد إلى مصادر مبهمة وشهادات تفتقر إلى إمكانية التحقق المستقل، يضرب في العمق مصداقية المعايير المهنية للعمل الاستقصائي، خاصة عندما يتقاطع مع ملفات ذات أبعاد جيواستراتيجية معقدة.
وتبرز هذه التطورات مدى انخراط بعض الحملات الإعلامية فيما يصطلح عليه بحرب المعلومات، حيث تتجاوز المعلومة دورها الإخباري لتغدو سلاحا موجها يهدف إلى التأثير على صورة الدول وإرباك تحالفاتها، في عصر تحولت فيه الفضاءات الرقمية إلى ساحات لصراع النفوذ. وتجسد الانتقادات الموجهة للمنظمة، والتي تجلت في رسوم ساخرة تصورها كمسرح لإنتاج شهود تحت الطلب، حالة من التشكيك المتزايد في دوافعها وتوقيت خرجاتها.
وفي االأخير ، يبقى ملف المراقبة الرقمية محورا لصراع عالمي يحاول الموازنة بين مقتضيات الأمن القومي واحترام الحريات الفردية، في مشهد تتداخل فيه تقاطعات الصحافة والأمن والدبلوماسية لتفرز تحديات غير مسبوقة في كيفية التعامل مع المعلومة وتداعياتها المباشرة على مسار العلاقات الدولية.

