الميركاتو الانتخابي وسؤال الأهلية: هل تلتزم الأحزاب بروح المادة 28؟
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، لا تعود الساحة السياسية مجرد فضاء للتنافس الديمقراطي النبيل، بل تتحول، في كثير من الأحيان، إلى ما يشبه “بورصة مفتوحة” تُعرض فيها الأسماء وتُشترى الولاءات وتُمنح التزكيات وفق منطق لا يخلو من براغماتية مفرطة. هنا، يطفو إلى السطح مفهوم “الميركاتو السياسي” باعتباره تعبيراً دالاً عن اختلال عميق في بنية الوساطة الحزبية، واختزالٍ للعمل السياسي في حسابات انتخابوية ضيقة.
لكن، هل هذا التحول يعكس حيوية ديمقراطية أم يؤشر على أزمة أخلاقية وقانونية في آن واحد؟ وهل ما يجري ينسجم فعلاً مع روح المادة 28 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، أم أنه مجرد التفاف ناعم على مقتضياتها؟
إن المادة 28 لا يمكن قراءتها كنص قانوني جامد، بل كإطار معياري يؤسس لفلسفة سياسية قوامها إعادة الاعتبار للنخب، وربط المسؤولية بالكفاءة، والتمثيلية بالأمانة. إنها، في جوهرها، محاولة لتقنين “الأهلية السياسية” في سياق يعاني من تمييع المعايير وتضخم الحسابات الظرفية.
أول ما تطرحه هذه المادة هو شرط النزاهة والأمانة، وهو شرط يبدو بسيطاً في صيغته، لكنه عميق في دلالاته. فالنزاهة هنا لا تُختزل في غياب السوابق القضائية، بل تمتد لتشمل السلوك العام، والسمعة الاجتماعية، والتاريخ الشخصي في تدبير الشأن العام. ومع ذلك، نلاحظ أن بعض الأحزاب لا تزال تسقط في فخ “تبييض الوجوه”، حيث يتم استقطاب مرشحين تحوم حولهم الشبهات فقط لأنهم يمتلكون قاعدة انتخابية أو نفوذاً مالياً.
فهل يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في ظل تساهل مع معايير النزاهة؟ أم أن الأمر يعكس نوعاً من “الواقعية السياسية” التي تبرر الوسيلة بالنتيجة؟
أما الشرط الثاني، المتعلق بالكفاءة، فيطرح إشكالاً أكثر تعقيداً. فالكفاءة السياسية لا تُقاس فقط بالشهادات الأكاديمية، بل بقدرة المرشح على الفهم والتحليل والترافع والتدبير. غير أن الممارسة الحزبية تكشف عن مفارقة صارخة: يتم أحياناً تهميش الكفاءات الحزبية الصاعدة لصالح “أعيان انتخابيين” يفتقرون إلى الحد الأدنى من الثقافة السياسية، لكنهم يمتلكون القدرة على حصد الأصوات.
إن هذا الوضع يطرح سؤالاً حارقاً: هل الأحزاب مؤسسات لتأطير النخب أم مجرد آلات انتخابية لإنتاج المقاعد؟ وهل يمكن بناء سياسات عمومية ناجعة بأشخاص لا يمتلكون أدوات التفكير العمومي؟
ثم يأتي الشرط الثالث، المرتبط بالقدرة على القيام بالمهام التمثيلية، وهو لب العملية الديمقراطية. فالتمثيل ليس تفويضاً شكلياً، بل هو تعاقد أخلاقي وسياسي بين المنتخب والناخب. غير أن هذا التعاقد كثيراً ما يتم اختزاله في لحظة انتخابية عابرة، سرعان ما تتلاشى بعدها جسور التواصل والمساءلة.
وهنا، يبرز خلل بنيوي في فهم التمثيلية: هل هي مجرد حضور عددي داخل المؤسسات، أم ممارسة فعلية للرقابة والتشريع والدفاع عن قضايا المواطنين؟ الواقع يشير إلى أن كثيراً من المنتخبين يتحولون إلى “أرقام صامتة” داخل المجالس، مما يفرغ التمثيل من مضمونه الديمقراطي.
إن الميركاتو السياسي، بهذا المعنى، ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بضعف الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وغياب آليات شفافة لاختيار المرشحين. فحين تغيب المنافسة الداخلية النزيهة، تحضر الولاءات الشخصية، وحين تُهمّش الكفاءة، يُستدعى النفوذ، وحين تُختزل السياسة في الانتخابات، تضيع الرسالة.
والمفارقة أن هذا الواقع لا يهدد فقط مصداقية الأحزاب، بل ينعكس أيضاً على ثقة المواطن في العملية السياسية برمتها. فكيف يمكن إقناع المواطن بالمشاركة في الانتخابات، إذا كان يشعر أن النتائج محسومة سلفاً بمنطق التزكيات المغلقة؟
إن استعادة الثقة في العمل السياسي تمر، بالضرورة، عبر احترام روح المادة 28، ليس فقط كنص قانوني، بل كالتزام أخلاقي. فالأحزاب مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في آلياتها الداخلية، وتبني معايير شفافة وعادلة في اختيار مرشحيها.
لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، فالمواطن أيضاً شريك في هذه المعادلة. إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي دون وعي انتخابي يرفض منطق المال والزبونية، ويكافئ الكفاءة والنزاهة. فصوت الناخب ليس مجرد حق، بل هو أداة للمساءلة والتغيير.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: هل نريد ديمقراطية شكلية تُفرز نفس النخب ونفس الممارسات، أم ديمقراطية جوهرية تُعيد الاعتبار للسياسة كفعل نبيل؟
إن المغرب، وهو يراكم إصلاحاته المؤسساتية، في حاجة إلى “نخبة وسيطة” قادرة على ترجمة هذه الإصلاحات إلى سياسات عمومية ملموسة. وهذه النخبة لا يمكن أن تُنتج في سوق الميركاتو، بل في فضاءات التكوين والتأطير والنقاش الحر داخل الأحزاب.
لذلك، فإن الالتزام بروح المادة 28 ليس خياراً، بل ضرورة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن والمؤسسات. إنها دعوة صريحة للقطع مع منطق “المرشح القابل للبيع”، وتعويضه بمنطق “المرشح القابل للمساءلة”.
في النهاية، قد تنجح الأحزاب في ربح مقاعد إضافية عبر الميركاتو السياسي، لكنها تخاطر بخسارة ما هو أهم: ثقة المواطن. والثقة، كما هو معلوم، لا تُشترى ولا تُمنح، بل تُبنى عبر الممارسة الصادقة والاختيارات المسؤولة.
فهل تملك الأحزاب الشجاعة الكافية لمراجعة ذاتها؟ أم أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة، حيث يتكرر نفس المشهد في كل استحقاق، وتتجدد نفس الأسئلة دون إجابات؟
إن الجواب، في العمق، ليس قانونياً فقط، بل سياسي وأخلاقي بامتياز.

