ماذا قدم نور السادات لمشيخة بولعوان بجماعة امزورة بعد الإطاحة بالميساوي؟

ماذا قدم نور السادات لمشيخة بولعوان بجماعة امزورة بعد الإطاحة بالميساوي؟
عبد العالي طاشة

تماشيا و سياق التحولات التي عرفتها جماعة امزورة، وبعد إزاحة الرئيس السابق “الميساوي” وصعود تحالف جديد بقيادة “نور السادات”، كانت ساكنة دواوير مشيخة بولعوان التابعة لذات الجماعة تأمل أن يشكل هذا التغيير مدخلاً حقيقياً لمعالجة تراكمات سنوات من التهميش، وفتح صفحة جديدة قوامها العدالة المجالية والتنمية المتوازنة، غير أن الواقع، بعد مرور جزء مهم من الولاية الجماعية الحالية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول حصيلة هذا التغيير ومدى ترجمته على أرض الميدان.

مشيخة بولعوان، التي تضم ثمان دواوير، لا تزال تعيش نفس الإكراهات البنيوية التي ظلت تؤرق الساكنة لسنوات وعقود، دون أي مؤشرات ملموسة على تحول جذري في أسلوب التدبير أو في ترتيب الأولويات التنموية بالجماعة، فبعض الدواوير تحولت، في نظر ساكنتها، إلى مجرد “مشتل للأصوات الانتخابية”، يُستدعى دورها خلال الاستحقاقات، ثم تُركن معاناتها إلى الهامش بعد ذلك.

أولى الإشكالات التي ما زالت مطروحة بقوة، هي أزمة الماء الصالح للشرب، حيث تستمر العديد من الأسر في الاعتماد على السقايات العمومية، في ظل غياب حلول بديلة مستدامة كالربط الفردي، والأكثر إثارة للانتباه، ما يُتداول محلياً حول تعرض هذه السقايات للاستغلال العشوائي نحو ضيعات فلاحية، دون تدخل فعال للحد من هذا النزيف، مما يفاقم معاناة الساكنة ويطرح تساؤلات حول آليات المراقبة والتتبع.

و على مستوى البنية التحتية، لم تسجل المنطقة تقدماً يذكر، فعدد من المسالك الطرقية لا تزال في وضعية متدهورة، تعيق حركة التنقل، خاصة خلال التساقطات المطرية، حيث تنعزل دواوير بكاملها عن محيطها، ففي الوقت الذي استفادت فيه دواوير لها ارتباطات بمنتخبين أو مستشارين جماعيين أو دوائر نفوذ انتخابي من مشاريع تعبيد مهمة، ما تزال الدواوير المغضوب عليها، تنتظر تدخلات قد لا تتجاوز في بعض الحالات مئات الأمتار.

هذا التفاوت في توزيع المشاريع يفتح النقاش حول معايير البرمجة والإنجاز، ومدى خضوعها لأولويات تنموية واضحة، أم أنها تخضع، وفق ما يروج محلياً، لاعتبارات ظرفية أو حسابات غير معلنة، وهو ما يضع مصداقية التدبير الجماعي على المحك، خاصة في ظل غياب التواصل الميداني مع الساكنة، مما يزيد من تعميق هذا الإحساس بالفراغ، فعدد من الدواوير، بحسب شهادات محلية، لم تعرف زيارات منتظمة من طرف المسؤولين الجماعيين، وهو ما يعكس نوعاً من القطيعة بين مراكز القرار المحلي وبين هموم المواطنين اليومية.

وفي جانب الخدمات الاجتماعية، تتجلى مفارقات لافتة، فدوار قامور، على سبيل المثال، لا يتوفر على مقبرة، ما يضطر الساكنة إلى نقل موتاهم نحو مقبرة دوار الحدادة عبر وسائل بدائية، في مسافة تقارب 5 كيلومترات، في مشهد يختزل حجم الخصاص في أبسط المرافق الأساسية المرتبطة بكرامة الإنسان، ورغم بساطة هذا المطلب الإنساني، لا تزال الجماعة عاجزة عن توفير سيارة لنقل الأموات أو إيجاد حل دائم لهذه المعضلة، ما يطرح تساؤلات عميقة حول أولويات التدبير المحلي.

أما القطاع الصحي، فلا يزال يواجه خصاصاً حاداً، حيث يشتغل المركز الصحي المحلي بدوار الحدادة بإمكانيات بشرية محدودة جداً، ممرض واحد لساكنة ثمانية دواوير، حيث يقدم خدماته بشكل غير منتظم، ما يفرض على الساكنة التنقل لمسافات بعيدة نحو سطات أو البيضاء أو الجديدة بحثاً عن العلاج، في ظل غياب حلول عملية لتعزيز العرض الصحي القريب.

وفي ما يتعلق بالتعمير، يلاحظ استمرار مظاهر البناء العشوائي في بعض الدواوير، في غياب واضح للصرامة في تطبيق القانون، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام الضوابط التنظيمية، ومدى تفعيل آليات المراقبة والزجر بشكل متوازن وعادل، خاصة و أن هناك من ينتظر اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة للشروع في البناء بدون ترخيص، مستغلين ما يُعتقد أنه تساهل أو غضّ للطرف خلال هذه الفترات، وهو ما يضرب في العمق هيبة القانون ويكرس منطق “الموسمية” في تطبيقه.

كما يشكل قطاع التعليم بدوره نقطة ضغط إضافية، حيث يضطر عدد من التلاميذ يقطنون بدوار الحدادة إلى قطع مسافات طويلة يومياً نحو مؤسسات تعليمية تبعد حوالي 20 كيلومترًا بجماعة أولاد سعيد (ذهابًا وإيابًا 40 كيلومترًا)، عبر وسائل غير آمنة، في حين يستفيد تلاميذ آخرون من النقل المدرسي بشكل عادي، ما يكرس غياب تكافؤ الفرص، مما يخلق تبايناً في الفرص بين تلاميذ نفس المجال الترابي.

أمام هذا الوضع، يتساءل المهتم بالشأن المحلي العام بجماعة امزورة، هل استطاعت القيادة الحالية لجماعة امزورة، بقيادة نور السادات المنتمي لحزب الاصالة والمعاصرة، إحداث فرق حقيقي في حياة ساكنة مشيخة بولعوان، أم أن التغيير ظل محصوراً في مستوى الوجوه دون أن يطال جوهر السياسات العمومية المحلية؟ سيما وأن الحصيلة، وفق ما تعكسه المؤشرات الميدانية وشهادات الساكنة، لا تزال دون مستوى التطلعات، حيث تستمر نفس الإكراهات تقريباً، مع غياب حلول بنيوية قادرة على معالجة جذور المشاكل، لا مجرد التخفيف من آثارها.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى الحاجة ملحة إلى تقييم موضوعي وشفاف لمدى التزام الجماعة بوعودها الانتخابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة توجيه البوصلة نحو تنمية منصفة وشاملة، تضع حدًا لحالة التفاوت داخل المجال الترابي الواحد، فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بتغيير الأسماء، بل بقدرة الفعل العمومي على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين…ودواوير مشيخة بولعوان، إلى حدود اليوم، ما تزال تنتظر هذا الأثر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *