الوساطة المجالية ورهان الإنصاف الترابي: حين تتحول مؤسسة الوسيط إلى ضمير العدالة الصامتة

الوساطة المجالية ورهان الإنصاف الترابي: حين تتحول مؤسسة الوسيط إلى ضمير العدالة الصامتة
بقلم الدكتور طلوع عبد الإله باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في خضم التحولات التي يعرفها المغرب على مستوى تدبير الشأن العام، يبرز سؤال التمكين المجالي كأحد أعقد الرهانات التي تواجه الدولة والمجتمع على حد سواء. فليس التمكين المجالي مجرد شعار تنموي عابر، بل هو تصور عميق لإعادة توزيع السلطة والموارد والفرص بين المجالات الترابية، بما يضمن تحقيق نوع من العدالة المجالية المنشودة. غير أن هذا الرهان يصطدم، في كثير من الأحيان، باختلالات بنيوية تجعل من المواطن في الهامش ضحية صامتة لبطء الإدارة وتعقيد المساطر، وهنا تحديدًا تتجلى أهمية مؤسسة الوسيط كفاعل دستوري يشتغل في منطقة التماس بين الدولة والمجتمع.

فكيف يمكن لمؤسسة الوسيط أن تتحول من مجرد آلية لتلقي التظلمات إلى رافعة حقيقية للتمكين المجالي؟

وهل تمتلك الوساطة المرفقية القدرة على تقليص الفوارق الترابية أم أنها تظل حبيسة منطق التدخل الظرفي؟

إن التمكين المجالي، في جوهره، لا ينفصل عن فكرة الاعتراف بالمجال كفاعل في السياسات العمومية، وليس فقط كحيز جغرافي لتصريف القرارات المركزية. هذا التحول في النظر إلى المجال يقتضي إعادة بناء العلاقة بين المواطن والإدارة على أساس الثقة والإنصاف، وهي علاقة غالبًا ما تتعرض للاهتزاز بفعل اختلالات التدبير أو سوء التأويل أو حتى التعسف أحيانًا. وفي هذه اللحظة الحرجة، تتدخل مؤسسة الوسيط كآلية لإعادة التوازن، ليس فقط عبر إنصاف المتضرر، بل أيضًا عبر مساءلة منطق الإدارة ذاته.

غير أن الإشكال العميق لا يكمن فقط في عدد الشكايات أو طبيعتها، بل في دلالاتها المجالية. فحين تتكرر التظلمات في مجالات بعينها، فإن الأمر لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل بمؤشر على وجود خلل ترابي بنيوي. وهنا تتحول الوساطة من وظيفة تصحيحية إلى أداة تشخيصية تكشف عن خرائط الظلم الإداري، وتعيد طرح سؤال العدالة المجالية في صلب النقاش العمومي.

لكن، هل يتم استثمار هذه المعطيات بالشكل الكافي؟

وهل تتحول تقارير مؤسسة الوسيط إلى مرجعيات لصياغة سياسات عمومية أكثر إنصافًا؟

الواقع أن الوساطة المرفقية، رغم أهميتها، ما تزال تعاني من محدودية في الأثر، ليس بسبب ضعفها المؤسساتي، بل بسبب ضعف التفاعل مع مخرجاتها. فالتوصيات، مهما بلغت دقتها، تظل بدون جدوى إذا لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف ننتقل من منطق الوساطة كـ”إطفاء للحرائق” إلى منطق الوساطة كآلية استباقية لإعادة هندسة العلاقة بين الإدارة والمجال؟

إن التمكين المجالي لا يمكن أن يتحقق دون إدارة عادلة، والإدارة العادلة لا يمكن أن تقوم دون آليات فعالة للمساءلة والتقويم، وفي هذا السياق، تمثل مؤسسة الوسيط أحد أهم هذه الآليات. غير أن فعاليتها تظل رهينة بمدى إدماجها في النسق العام للحكامة، بحيث لا تبقى مجرد مؤسسة موازية، بل تصبح جزءًا من دورة صنع القرار العمومي.

ثم إن الوساطة، في بعدها المجالي، لا تقتصر على حل النزاعات، بل تمتد إلى بناء ثقافة جديدة قوامها الحوار والإنصات والاعتراف. وهي قيم ضرورية لإعادة الثقة في المؤسسات، خاصة في المجالات التي تعاني من التهميش أو الإقصاء. فالمواطن الذي يجد من ينصت إليه، هو مواطن أقل ميلاً للاحتجاج وأكثر استعدادًا للانخراط.

غير أن هذا الأفق يطرح بدوره سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام وساطة تشتغل بمنطق الحق أم بمنطق التوازن؟ بمعنى، هل تسعى إلى إنصاف المواطن فقط، أم إلى الحفاظ على توازن العلاقة بينه وبين الإدارة؟ هذا السؤال ليس نظريًا، بل له امتدادات عملية تحدد طبيعة تدخل الوسيط وحدود تأثيره.

في النهاية، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تقوية مؤسسة الوسيط، بل في إعادة التفكير في موقعها داخل معادلة التمكين المجالي. فإما أن تتحول إلى فاعل استراتيجي يساهم في إنتاج العدالة الترابية، أو تظل مجرد قناة لتصريف التظلمات دون أثر بنيوي. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نملك الجرأة الكافية لتحويل الوساطة من وظيفة إدارية إلى مشروع سياسي للإنصاف المجالي؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *