الرياضة كفضاء للدبلوماسية الرقمية: قراءة في التجربة المغربية
في سياق عالمي تتسارع فيه التدفقات الرقمية، ويزداد فيه حضور الفضاء الرقمي في تشكيل الصور والتمثلات الجماعية، لم تعد الأحداث الرياضية الكبرى تُقرأ بوصفها مجرد منافسات رياضية، بل تحولت إلى منصات رمزية ودبلوماسية ذات أثر عابر للحدود.
وتتيح تجربة المغرب خلال السنوات الأخيرة مدخلا تحليليا لفهم كيفية توظيف الرياضة داخل الفضاء الرقمي لإنتاج أشكال جديدة من القوة الناعمة، وبناء خطاب وطني وإفريقي تتقاطع فيه الهوية الثقافية، والأداء الرياضي، وآليات التواصل الرقمي.
وتثير هذه التجربة أسئلة مركزية حول حدود الدبلوماسية الرقمية عبر الرياضة، وآليات اشتغالها، ومدى قدرتها على الانتقال من التأثير الظرفي إلى التأثير المستدام، سواء في السياق الإفريقي أو ضمن الفضاء الدولي الأوسع.
الرياضة والفضاء الرقمي: من الحدث إلى الخطاب
شهد المغرب خلال العقد الأخير حضورا متناميا في المشهد الرياضي القاري والدولي، رافقه تحول لافت في كيفية تمثيل هذه الأحداث داخل الفضاء الرقمي. فلم تعد التظاهرات الرياضية مناسبات عابرة، بل أضحت فضاءات لإنتاج الخطاب، وتداول الصور، وبناء تمثلات جديدة للدولة داخل الفضاء الرقمي الجماعي.
- في هذا الإطار، يمكن قراءة تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا 2025 كنموذج بارز لهذا التحول، إذ لم يقتصر الحدث على المنافسة الكروية، بل رافقه حضور رقمي مكثف على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تجاوزت المشاهدات الرقمية حوالي 6.1 مليار مشاهدة، منها 5.2 مليار مشاهدة فيديو، مع تسجيل 285 مليون تفاعل، إضافة إلى اكتساب أكثر من8.5 مليون متابع جديد خلال فترة قصيرة. وعلى سبيل المقارنة، فقد كانت نسخة 2023 قد سجلت نحو 2.1 مليار مشاهدة، ما يظهر تضاعف الاهتمام الرقمي بشكل كبير. كما تم إنشاء أكثر من مليون فيديو جماهيري على منصة TikTok تحت الوسم #TotalEnergiesAFCON2025، ما يدل على تفاعل جماهيري واسع وتحول الجمهور إلى فاعل أساسي في إنتاج الخطاب الرقمي. بما يعكس دور الفضاء الرقمي في توسيع دائرة التلقي والتأثير.
يكشف هذا التفاعل الرقمي أن استثمار الرياضة لم يكن محايدا أو عرضيا، بل ساهم في تحويل الحدث الرياضي إلى أداة دبلوماسية غير مباشرة، فقد أتاح هذا الحضور الرقمي للجماهير الدولية الاطلاع على تمثلات متعددة للثقافة المغربية، وأنماط التنظيم، ورموز الضيافة، بما جعل الخطاب المتداول يتجاوز القنوات الرسمية التقليدية.
كما برزت دينامية الفضاء الرقمي بشكل أوضح خلال الجدل الذي رافق نهائي كأس أمم إفريقيا 2025بين المغرب والسنغال، خاصة بعد قرار سحب اللقب ومنحه للمغرب إثر اعتبار المباراة خسارة فنية. فقد انتقلت هذه الواقعة بسرعة إلى المنصات الرقمية، حيث شهدت شبكات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من التفاعل والانقسام في الآراء، وتداول المستخدمون مقاطع الفيديو والتعليقات المرتبطة بلحظة تسليم الكأس والجدل الذي رافقها
ليعكس هذا التفاعل كيف يمكن للأحداث الرياضية المثيرة للخلاف أن تتحول إلى لحظات دبلوماسية على المستوى الرقمي تعيد تشكيل النقاش العام حول الشرعية الرياضية والرمزية، وتبرز في الوقت نفسه دور الجماهير الرقمية في إنتاج خطاب عابر للحدود حول صورة الدول ومكانتها.
من التجربة الوطنية إلى الأفق الإفريقي
وللتعمق أكثر لابد من استحضار تجربة المغرب في كأس العالم 2022 بقطر، حيث مكن الوصول التاريخي للمنتخب المغربي إلى نصف النهائي من إعادة تموضع الحضور الإفريقي داخل الفضاء الرياضي والإعلامي العالمي، إذ لم يكن هذا الإنجاز حدثا رياضيا فحسب، بل تحول إلى لحظة رقمية مكثفة أعادت طرح أسئلة التمثيل، والهوية، والمكانة داخل النظام الرياضي العالمي.
ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى التجربة المغربية بوصفها حالة تحليلية تتيح فهم كيفية توظيف الرياضة رقميا لإنتاج تمثيل إفريقي جديد، يتجاوز منطق الهامشية، ويعيد تقديم القارة باعتبارها فاعلا ثقافيا ورياضيا قادرا على مخاطبة العالم من موقع مختلف.
إذن، تُظهر تجربة المغرب أن الدبلوماسية الرقمية عبر الرياضة لم تعد تقتصر على الترويج أو نقل الأخبار، بل أضحت مجالا استراتيجيا لإنتاج الخطاب، وبناء الصورة، وتفعيل القوة الناعمة داخل فضاء رقمي مفتوح ومتعدد الفاعلين. وفي هذا السياق، لم تشتغل الدبلوماسية الرقمية فقط من خلال المؤسسات، بل تشكلت عبر تفاعل الجمهور، والإعلام، والمحتوى المتداول، وهو ما يجعل القوة الناعمة نتاجا شبكيا مفتوحا، لا يخضع بالكامل لمنطق التوجيه أو التحكم. ويطرح هذا النموذج تساؤلات حول طبيعة هذه القوة: هل نحن أمام قوة مؤسساتية موجهة، أم أمام قوة رقمية تتشكل ديناميا عبر التفاعل الجماهيري؟ وإلى أي حد يمكن توجيه خطابها أو ضبط مساراته؟


مزيدا من التألق والعطاء الدكتورة اللالة ابتسام ، مقاربة جديدة في فهم الدبلوماسية الرقمية الرياضية 👏👏👏