أسعار المحروقات بالمغرب: بين منطق السوق وسؤال العدالة… من يدفع الثمن ومن يجني الأرباح؟

أسعار المحروقات بالمغرب: بين منطق السوق وسؤال العدالة… من يدفع الثمن ومن يجني الأرباح؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع، كاتب رأي

هل يتعلق الأمر فعلاً بقانون العرض والطلب، أم أننا أمام معادلة مختلة تُدار بمنطق السوق حيناً، وبمنطق الامتياز حيناً آخر؟ وهل ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب نتيجة حتمية لتحولات السوق الدولية، أم أنه انعكاس لاختيارات سياسية واقتصادية قابلة للنقاش والمساءلة؟
منذ تحرير سوق المحروقات سنة 2015، دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها “تحرير الأسعار”، لكن جوهرها ظل محل جدل مستمر. فقد تم التخلي عن نظام المقاصة بشكل تدريجي، ورفعت الدولة يدها عن تحديد الأسعار، تاركة المجال للمنافسة بين الفاعلين. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تحقق فعلاً شرط المنافسة، أم أن السوق أعادت إنتاج شكل جديد من الاحتكار المقنن؟
في الظاهر، تبدو الأمور منسجمة مع قواعد الاقتصاد الحر: شركات تستورد، تخزن، وتوزع، وتحدد أسعارها وفق كلفة الشراء وهوامش الربح. لكن في العمق، تكشف المؤشرات أن هامش الربح ظل مرتفعاً مقارنة بتقلبات الأسعار الدولية، وهو ما يثير شكوكا حول مدى شفافية التسعير، بل وحول وجود تنسيق غير معلن بين الفاعلين الكبار.
المفارقة أن المواطن المغربي لا يستفيد من انخفاض الأسعار في السوق الدولية بنفس الوتيرة التي يتضرر بها عند الارتفاع. وكأن هناك “مرونة انتقائية” في نقل الأسعار، حيث يُستدعى منطق السوق فقط حين يكون في غير صالح المستهلك.

لكن من المستفيد الحقيقي من هذه الوضعية؟

أولاً، شركات توزيع المحروقات، التي وجدت نفسها بعد التحرير في موقع قوة، دون سقف محدد للأسعار أو مراقبة صارمة لهوامش الربح. وقد كشفت تقارير رسمية أن هذه الشركات حققت أرباحاً مهمة في فترات معينة، رغم تذبذب الأسعار العالمية.

ثانياً، الدولة نفسها، بشكل غير مباشر، تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر الضرائب المفروضة على المحروقات، والتي تشكل جزءاً مهماً من موارد الميزانية. فكلما ارتفع السعر، ارتفعت المداخيل الجبائية، حتى وإن كان ذلك على حساب القدرة الشرائية للمواطن.
ثالثاً، بعض الفاعلين في سلاسل النقل والتوزيع، الذين يعمدون إلى تحميل الكلفة الإضافية مباشرة للمستهلك، دون أي آليات حقيقية للضبط أو التوازن.

لكن، في المقابل، من يدفع الثمن؟

المواطن أولاً، باعتباره الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فارتفاع أسعار المحروقات لا ينعكس فقط على كلفة التنقل، بل يمتد إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات، ما يخلق موجة تضخمية صامتة لكنها مؤلمة.
والمقاولة الصغرى والمتوسطة ثانياً، التي تجد نفسها مضطرة لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، دون القدرة دائماً على تمرير هذه الزيادة إلى السوق، مما يهدد تنافسيتها واستمراريتها.
ثم الاقتصاد الوطني ككل، الذي يتأثر بارتفاع كلفة الطاقة، خاصة في غياب بدائل حقيقية ومستدامة.
إن النقاش حول أسعار المحروقات في المغرب لا يمكن اختزاله في أرقام أو منحنيات، بل يجب أن يُطرح في سياق أوسع يتعلق بنموذج الحكامة الاقتصادية. هل نريد سوقاً حرة فعلاً، أم سوقاً مؤطرة بقواعد تضمن التوازن بين الربح والمصلحة العامة؟
لقد سبق لمجلس المنافسة أن أثار هذا الموضوع، وكشف عن ممارسات قد تخل بقواعد المنافسة، لكنه ظل بدوره محاطاً بأسئلة حول حدود تدخله وفعاليته.
في هذا السياق، يبدو أن الإشكال ليس فقط في “تحرير الأسعار”، بل في “تحرير دون تأطير”. فالسوق لا يمكن أن تكون عادلة بدون قواعد واضحة، ومراقبة فعالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن غياب الشفافية في تحديد الأسعار يفتح الباب أمام التأويلات، ويقوض ثقة المواطن في المؤسسات الاقتصادية. فحين لا يفهم المواطن لماذا يرتفع السعر، ولا يرى انعكاساً لانخفاضه، فإنه يشعر بأن اللعبة لا تُلعب لصالحه.
من جهة أخرى، يطرح السؤال حول البدائل الممكنة. هل يمكن العودة إلى دعم جزئي؟ أم إلى تسقيف الأسعار؟ أم إلى فرض ضريبة استثنائية على الأرباح الفاحشة؟ أم أن الحل يكمن في تسريع الانتقال الطاقي نحو الطاقات المتجددة؟
لا شك أن لكل خيار كلفته وتعقيداته، لكن الأكيد أن الاستمرار في الوضع الحالي دون مراجعة يكرس شعوراً متزايداً باللاعدالة.

إن العدالة الطاقية لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة اجتماعية واقتصادية. فالمحروقات ليست مجرد سلعة، بل عنصر أساسي في الحياة اليومية، وأي اختلال في تسعيرها ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بسعر اللتر، بل بسؤال أعمق: أي نموذج اقتصادي نريد؟ نموذج يراكم الأرباح لفئة محدودة، أم نموذج يوزع الكلفة بشكل عادل؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ليس فقط مستقبل أسعار المحروقات، بل أيضاً طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، بين السوق والمجتمع.

فهل نملك الجرأة لفتح هذا النقاش بصدق؟ أم سنواصل تدبير الأزمة بمنطق التبرير بدل الإصلاح؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *