المندوبية الإقليمية للصحة بسطات تحت المجهر: من يوقف ‘نزيف’ الاختلالات بمركز رأس العين الشاوية؟
إقليم سطات، وتحديداً في مركز “رأس العين الشاوية”، لا يبدو أن شعار “تقريب الإدارة من المواطن” قد وجد طريقه بعد إلى أسوار المركز الصحي القروي من المستوى الثاني. هناك، خلف تلك الجدران التي يُفترض أن تكون ملاذاً للموجوعين، تتبدى صورة مغايرة للخطاب الرسمي الذي يشرعن الحق في الصحة كحق دستوري لا يقبل التأجيل. الواقع المرير الذي تنقله صرخات الساكنة يضعنا أمام مفارقة صارخة؛ فبينما تتحدث لغة الأرقام عن إصلاحات كبرى، تصطدم كرامة المواطن البسيط في “رأس العين” بصخرة “الانتظار” وغياب الأطر الطبية عن مناصبها في أوقات الذروة، وكأن الزمن الإداري في هذا المرفق يسير خارج عقارب الساعة الوطنية.
إن المعاناة هنا لا تتوقف عند حدود نقص الإمكانيات، بل تمتد لتلمس جوهر العدالة الاجتماعية، حينما يتحول “الحق في الدواء” من استحقاق طبي تمليه الحالة الصحية، إلى “امتياز” يخضع لمنطق “المعرفة” والوساطة والمحسوبية، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويجعل من صيدلية المركز الصحي قلعة لا تُفتح أبوابها إلا لمن يملك “مفتاح” العلاقات، في مشهد يكرس الإحساس بالدونية والاضطهاد لدى فئات عريضة لا تملك غير أنينها سلاحاً.
لا يمكن قراءة ما يحدث في مركز “رأس العين الشاوية” بمعزل عن أزمة الأخلاقيات المهنية التي بدأت تتسلل إلى بعض مفاصل القطاع الصحي بالإقليم، حيث يشتكي المرتفقون من سوء معاملة تحط من القدر الإنساني وتتعارض مع نبل الرسالة الطبية. إنها “أزمة تدبير” قبل أن تكون “أزمة موارد”، إذ من غير المقبول أن تظل الساكنة رهينة لمزاجية في التعامل تفتقر لأبسط قواعد اللباقة المهنية. هذا الوضع يضع المندوبية الإقليمية للصحة بسطات والجهات الوصية أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية مباشرة؛ فإصلاح القطاع لا يبدأ من تشييد الجدران، بل من فرض الانضباط، وضمان الشفافية في توزيع الأدوية، وإعادة الاعتبار للمواطن كشريك لا كمجرد “رقم” في طابور الانتظار. إن التحرك العاجل لفتح تحقيق في هذه الاختلالات لم يعد مطلباً فئوياً، بل هو ضرورة لحماية السلم الاجتماعي في منطقة سئمت من سياسة “الآذان الصماء”، وتنتظر من المسؤولين أن يثبتوا أن “صحة المواطن” أغلى من أي حسابات أو مجاملات ضيقة.

