نزاهة الامتحانات بين هاجس الضبط ومنطق الثقة: أسئلة في عمق الإصلاح التربوي
هل يمكن لقرار تنظيمي، مهما بلغت دقته، أن يعالج أزمة أخلاقية متجذرة في عمق المنظومة التربوية؟ وهل يكفي نقل مراكز الامتحانات خارج المؤسسات الأصلية للتلاميذ حتى نعلن، بكل اطمئنان، أننا وضعنا حداً لظاهرة الغش؟ أم أننا، في الحقيقة، أمام إعادة إنتاج نفس الإشكال في قالب إداري جديد، دون الاقتراب من جوهره الحقيقي؟
حين نتمعن في خلفيات هذا القرار، لا يبدو الأمر مجرد تدبير تقني معزول، بل يعكس تصوراً ضمنياً لطبيعة الخلل داخل المدرسة العمومية. فهل أصبحت المؤسسة التربوية، في نظر السياسات العمومية، فضاءً مشكوكاً في نزاهته إلى درجة تستدعي “تفكيكه” زمن الامتحان؟ وهل يعني إسناد الحراسة لأساتذة من خارج المؤسسات الأصلية أن الثقة في الفاعل التربوي أصبحت محدودة أو مشروطة؟
ألا يطرح هذا التوجه إشكالاً أخلاقياً عميقاً يتعلق بعلاقة الدولة بمدرسيها؟ كيف يمكن بناء مدرسة مواطِنة في ظل سياسات تقوم على منطق الريبة بدل منطق الثقة؟ ثم، هل يمكن للمدرس، الذي يُفترض فيه أن يكون حارس القيم، أن يؤدي دوره كاملاً وهو يشعر بأن المنظومة نفسها لا تثق فيه؟
وإذا كان الهدف المعلن هو محاربة الغش، فهل تم فعلاً تشخيص هذه الظاهرة في أبعادها الحقيقية؟ أليس الغش، في جوهره، نتيجة لتراكمات ثقافية واجتماعية تتجاوز أسوار المدرسة؟ كيف نفسر، مثلاً، تنامي هذا السلوك في سياق مجتمع يقدس النتائج أكثر من المسارات، ويحتفي بالنجاح كيفما كان مصدره؟ أليست هناك مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والإعلام في ترسيخ هذا الخلل القيمي؟
ثم، ماذا عن التلميذ نفسه؟ هل يتغير سلوكه بمجرد تغيير الفضاء الذي يجتاز فيه الامتحان؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير؟ كيف ننتظر من متعلم أن يتبنى سلوك النزاهة، في حين أنه يتعرض، في محيطه العام، لخطابات متناقضة حول معنى النجاح والاستحقاق؟
ألا يمكن القول إن نقل التلاميذ إلى مؤسسات أخرى هو، في جزء منه، هروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية؟ لماذا لا يتم التفكير في إصلاح منظومة التقويم نفسها؟ ولماذا لا نطرح بجرأة مسألة ملاءمة الامتحانات لمستوى التلاميذ، ومدى قدرتها على قياس الكفايات بدل مجرد استرجاع المعارف؟
ثم ماذا عن الأثر النفسي لهذا القرار، خاصة على تلاميذ التعليم الابتدائي؟ كيف لطفل في سن مبكرة أن يتفاعل مع فضاء جديد، وأجواء مختلفة، وأشخاص لا يعرفهم، في لحظة يفترض أن تكون مستقرة ومطمئنة؟ أليس من شأن هذا التحول أن يزيد من منسوب القلق والتوتر، بدل أن يوفر شروط التركيز والنجاح؟
وعلى المستوى الاجتماعي، هل تم التفكير في كلفة هذا القرار على الأسر، خصوصاً في العالم القروي؟ كيف ستتدبر العائلات مسألة تنقل أبنائها؟ وهل يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص في ظل تفاوت الإمكانيات بين الأسر والمجالات الترابية؟
أما على المستوى التنظيمي، فإلى أي حد تتوفر المؤسسات المستقبِلة على القدرة الاستيعابية الكافية؟ وهل يمكن ضمان نفس شروط الجودة في التأطير والمراقبة في ظل هذا الضغط الإضافي؟ أم أننا أمام مغامرة تنظيمية قد تخلق اختلالات جديدة بدل أن تعالج القديمة؟
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل: كيف تُتخذ مثل هذه القرارات؟ أين هو صوت المدرس في كل هذا؟ وأين موقع الإدارة التربوية المحلية، التي تعيش تفاصيل الواقع اليومي للمؤسسات؟ لماذا لا تتحول هذه الفئة من مجرد منفذة للقرارات إلى شريك حقيقي في صناعتها؟
أليس من المفارقات أن نتحدث عن إصلاح المنظومة التربوية، في الوقت الذي يتم فيه تغييب أهم فاعل داخلها؟ كيف يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون إشراك من هم في الواجهة؟ وهل يمكن بناء سياسات عمومية ناجعة في غياب المقاربة التشاركية؟
ثم، ماذا عن البدائل؟ هل النزاهة تُبنى فقط عبر تشديد المراقبة؟ أم أنها تبدأ من إعادة الاعتبار للمدرس، وتأهيله مادياً ومعنوياً؟ كيف يمكن ترسيخ ثقافة النزاهة لدى المتعلم، إذا لم يشعر بأن المنظومة نفسها عادلة ومنصفة؟
ألا يستدعي الأمر إعادة التفكير في وظيفة الامتحان نفسها؟ هل هو أداة للفرز والعقاب، أم وسيلة للتقويم والتوجيه؟ ولماذا لا يتم الانتقال نحو نماذج تقييم أكثر شمولية، تدمج بين المعرفي والسلوكي والقيمي؟
في نهاية المطاف، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير مواقع إجراء الامتحانات، بل في تغيير الفلسفة التي تؤطرها. فهل نريد مدرسة تقوم على الضبط والمراقبة، حيث يُنظر إلى الجميع بعين الشك؟ أم مدرسة تُبنى على الثقة والمسؤولية، حيث يتحول كل فاعل إلى شريك في حماية نزاهتها؟
وبين هذا وذاك، يظل السؤال معلقاً: هل نحن بصدد إصلاح حقيقي، أم مجرد تدبير ظرفي يؤجل مواجهة الأزمة بدل حلها؟

