الوساطة المرفقية وقلق العدالة: من صمت النص إلى احتجاج المعنى… نحو إنصاف يُعيد إنسانية الإدارة

الوساطة المرفقية وقلق العدالة: من صمت النص إلى احتجاج المعنى… نحو إنصاف يُعيد إنسانية الإدارة
بقلم الدكتور طلوع عبد الإله باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

لم يعد سؤال العدالة اليوم سؤالًا قانونيًا صرفًا، بل تحوّل إلى سؤال وجودي يلامس عمق التجربة الإنسانية للمواطن داخل المرفق العمومي. فأن توجد القاعدة القانونية، وأن تُضبط المساطر، وأن تُعمم الخدمات، لا يعني بالضرورة أن العدالة قد تحققت. لأن العدالة، في أحد وجوهها الأكثر عمقًا، ليست فقط ما يُنص عليه، بل ما يُحسّ به. ليست مجرد نص يُطبّق، بل تجربة تُعاش. ومن هنا ينبثق قلق العدالة، لا كخلل عابر، بل كتوتر بنيوي بين ما هو قانوني وما هو إنساني.

لقد بنت الدولة الحديثة مشروعيتها، تاريخيًا، على فكرة تعميم القاعدة القانونية، وعلى مبدأ المساواة أمامها. غير أن هذا التصور، رغم أهميته، يحمل في طياته مفارقة دقيقة: فكلما ازداد القانون تجريدًا وعمومية، كلما ابتعد عن خصوصيات الأفراد وتعقيد أوضاعهم. وهنا، تبدأ الفجوة بين النص والواقع، بين القاعدة والحالة، بين المساواة والإنصاف. إنها فجوة لا تُرى في النصوص، لكنها تُحسّ في التجارب اليومية للمواطنين، حين يتحول القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى عائق أمامها.
في هذا السياق، لم تعد العلاقة بين المواطن والإدارة مجرد علاقة خدمات، بل أصبحت علاقة اختبار يومي لمعنى العدالة. فالمواطن لا يقف أمام الإدارة فقط ليطلب خدمة، بل ليبحث عن اعتراف، عن إنصات، عن معاملة تحفظ كرامته. لكنه، في كثير من الأحيان، يصطدم بإدارة تتحدث بلغة الإجراءات، وتتحرك بمنطق الملفات، وتشتغل بعقل تقني يُجيد تطبيق النص، لكنه يعجز عن تأويله إنسانيًا. وهنا يتحول الصمت الإداري إلى مصدر قلق، ويتحوّل الانتظار إلى شعور بالإقصاء، ويتحوّل الرفض إلى جرح في معنى العدالة.
إن هذا القلق لا يُفسَّر فقط بضعف الإمكانيات أو اختلالات التدبير، بل يرتبط، في عمقه، بنمط في التفكير الإداري يرى في القانون غاية في حد ذاته، لا وسيلة لتحقيق الإنصاف. فحين تُطبّق القاعدة بشكل حرفي، دون اعتبار للظروف، تتحول إلى ما يشبه “العدالة الباردة”، عدالة لا تُخطئ قانونيًا، لكنها تُخطئ إنسانيًا. وهنا، لا يحتج المواطن فقط على القرار، بل يحتج على المعنى الذي يحمله هذا القرار.
من هذا المنطلق، يمكن فهم تصاعد أشكال الاحتجاج المرتبطة بالمرافق العمومية، ليس باعتبارها رفضًا للدولة، بل باعتبارها تعبيرًا عن أزمة ثقة في كيفية تجسيدها للعدالة. فالمواطن، حين يحتج، لا يرفض القانون، بل يرفض أن يُختزل في رقم أو ملف. إنه يطالب بأن يُرى ككائن له خصوصية، وأن يُعامل كذات لها كرامة. وهذا ما يجعل من الاحتجاج فعلًا تأويليًا بقدر ما هو فعل احتجاجي، لأنه يعيد طرح السؤال: ما العدالة التي نريد؟
في هذا الأفق، تبرز الوساطة المرفقية كآلية لتخفيف هذا التوتر، وكفضاء ثالث يتجاوز ثنائية الإدارة والمواطن، ويعيد بناء العلاقة على أساس الحوار والإنصاف. فهي لا تُلغي القاعدة القانونية، بل تُعيد تفعيلها في ضوء الواقع، ولا تُضعف سلطة الإدارة، بل تمنحها بعدًا إنسانيًا يجعلها أكثر قربًا من المواطن. إنها، بهذا المعنى، ليست مجرد تقنية إجرائية، بل رؤية جديدة للعدالة، ترى فيها فعل توازن بين النص والحياة.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل الوساطة قادرة فعلاً على تجاوز قلق العدالة، أم أنها مجرد آلية لتدبير نتائجه؟ هل نحن أمام حل بنيوي يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والإدارة، أم أمام صمام أمان يُخفف من حدة الاحتقان دون أن يُلامس جذوره؟ لأن الوساطة، مهما بلغت من الفعالية، تظل محدودة إذا لم تُواكب بتحول عميق في الثقافة الإدارية، تحول يجعل من الإنصاف قيمة مركزية، لا مجرد استثناء.
إن إعادة التفكير في العدالة داخل المرفق العمومي تقتضي، أولاً، تجاوز التصور الاختزالي الذي يحصرها في احترام المساطر، نحو تصور أوسع يربطها بالإحساس بالإنصاف. كما تقتضي، ثانيًا، إعادة الاعتبار للبعد التواصلي في العمل الإداري، بحيث لا تُتخذ القرارات فقط، بل تُفسَّر وتُبرَّر وتُناقش. لأن الشرعية، في النهاية، لا تُبنى فقط على القوة القانونية، بل على القدرة على الإقناع.
ثم إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير الآليات، بل في إعادة إنساننة الإدارة نفسها. أن تتحول من جهاز يُنتج القرارات إلى فضاء يُنصت للتجارب. أن تدرك أن كل ملف يحمل قصة، وأن كل طلب يخفي وراءه انتظارًا، وأن كل قرار يمكن أن يكون لحظة إنصاف أو لحظة خذلان. فالإدارة التي تُنصت، هي إدارة تُنصف، حتى قبل أن تُقرر.
وفي هذا الإطار، يصبح الإنصاف ليس بديلاً عن القانون، بل شرطًا لتحقيقه. لأن القانون، بدون إنصاف، يفقد روحه، ويتحول إلى مجرد أداة للضبط. أما حين يُفعّل بروح إنسانية، فإنه يستعيد وظيفته الأصلية كأداة لتحقيق العدالة. وهنا، لا تعود الوساطة مجرد آلية، بل تصبح تعبيرًا عن تحول في الوعي القانوني نفسه.
إن قلق العدالة، إذن، ليس علامة ضعف، بل مؤشر على حيوية المجتمع، وعلى استمرار طرح الأسئلة الكبرى حول معنى العدل والإنصاف. وهو، في الآن ذاته، دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمواطن، ليس من زاوية السلطة، بل من زاوية الاعتراف. لأن الدولة التي تُنصت لمواطنيها، هي دولة تُعيد بناء مشروعيتها كل يوم.
في النهاية، لا يمكن تحقيق العدالة فقط بتكثير القوانين، بل بتعميق الإحساس بها. ولا يمكن تجاوز الاحتجاج فقط بتدبيره، بل بفهم دلالاته. فالمواطن لا يريد فقط خدمة، بل يريد كرامة. لا يريد فقط قرارًا، بل يريد إنصافًا. وربما، هنا بالضبط، يبدأ الطريق نحو إدارة أكثر إنسانية… وعدالة أكثر معنى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *