“عصا” في سيارتك قد تقودك إلى القضبان.. ما لا تعرفه عن “السلاح بالتخصيص”
الحافضي سعيد
- من خلف زجاج السيارات الذي يعكس ملامح طرقاتنا الممتدة بين الحواضر والقرى، يبرز سؤال قانوني وحقوقي مقلق لا يقل حدة عن النصال التي يبحث عنها رجال الدرك والامن في صناديق الامتعة، وهو هل تحولت العصا او الاداة الحادة الى معيار لفرز المواطنين بين مشتبه فيهم وابرياء، وهل يستقيم منطق النوايا مع صرامة النصوص الجنائية في بلد يطمح لتكريس دولة الحق والقانون، اننا حين نتامل في مضمون الفصل 303 من القانون الجنائي المغربي نجد انفسنا امام نص اتسم بذكاء تشريعي ومراوغة في ان واحد، حيث لم يكتف المشرع بتعريف السلاح بطبيعته كالسيوف والخناجر بل اجتهد في ابتكار مفهوم السلاح بالتخصيص، وهنا تكمن العقدة الجوهرية، فكل اداة مهما كانت مسالمة في اصلها كعصا خشبية او مفك براغي او حتى اداة حادة للاستعمال المنزلي العادي يمكن ان تكتسي صفة السلاح بمجرد ان يرى المحقق او ضابط الضابطة القضائية انها اعدت للاعتداء او التهديد، وهذا التخصيص ليس معطى ماديا جامدا بل هو تاويل ذاتي يخضع لظروف الزمان والمكان، فالاداة التي يحملها حرفي في حي صناعي ليست هي ذاتها التي يحملها شاب في محيط ملعب لكرة القدم او وقفة احتجاجية، وهنا يصبح المكان هو المفسر الوحيد للنية المضمرة خلف وجود تلك الاداة، والحقيقة ان الحياد يقتضي منا القول ان الدولة في سعيها المشروع لحماية الامن العام تخشى من تحول السيارات الى ترسانات متنقلة تهدد سلامة الاغيار، لكن في المقابل يطرح الواقع اشكالا حقوقيا عميقا حول اين يبدأ الحق في الحماية الشخصية وينتهي منطق التجريم الاستباقي، فالقانون المغربي ومن خلفه الاجتهاد القضائي الراسخ لا يعترف بما يمكن تسميته الدفاع الاستباقي عن النفس، فالمواطن الذي يضع عصا في سيارته تحسبا لاحتمال اعتداء في طريق خلاء او مسلك غير امن يجد نفسه امام مازق قانوني حقيقي لان الاعداد المسبق يفسر غالبا كنية عدوانية لا كوسيلة دفاعية مشروعة، وتقف السلطة القضائية هنا في منطقة الوسط فهي لا تجرم الاداة لذاتها بل تجرم الظروف التي تجعل من تلك الاداة خطرا مفترضا على الامن العام، ان المسافة الفاصلة بين المواطن الصالح والمتابع قضائيا في هذا الملف تختزلها السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لرجال انفاذ القانون، فغياب تعريف جامع ومانع لما يسمى المبرر المشروع يجعل من المحضر الرسمي هو الفيصل الوحيد في تكييف النازلة، والواقع يفرض علينا الاقرار بان هذه السلطة التقديرية هي حاجة امنية لضبط الشارع لكنها تظل بحاجة ماسة الى رقابة قضائية صارمة تفرق بوضوح بين الادوات الوظيفية التي تفرضها مهنة السائق او ظروف تنقله وبين الادوات التهديدية التي لا تجد لها تفسيرا منطقيا في سياقها المادي والزماني، اننا امام منطقة رمادية تتجاذبها هواجس امنية لمنع الجريمة قبل وقوعها وحقوق اصيلة للمواطن في الا يعامل كمجرم محتمل بسبب مقتنيات عادية، والحل في نظرنا لا يكمن في المنع المطلق ولا في الاباحة المطلقة بل في تكريس اجتهاد قضائي يعلي من شأن قرينة البراءة ويعتبر ان الاصل في حمل الادوات هو الاستعمال السلمي والمهني ما لم يقم دليل مادي وقوي يثبت انحراف القصد الجنائي نحو الايذاء، ان الامن الحقيقي لا يتحقق بمطاردة الادوات الخشبية او المعدنية بل ببسط هيبة القانون عبر التنمية وتأمين الطرقات فعليا، اما الاستمرار في التركيز على الوسيلة وترك الاسباب والدوافع فهو نوع من العبث القانوني الذي قد ينتج احتقانا غير مبرر، ولذلك فان القضاء يظل هو الحصن الاخير الذي يجب ان ينتصر لروح القانون لا لحرفه الجامد لضمان توازن دقيق بين هيبة الدولة وحرمة الحرية الفردية.
Post Views: 91