حقوق الشباب في السياسات العمومية: بين التصور النظري وتحديات التنزيل العملي
يشكل الشباب اليوم ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة، ليس فقط باعتبارهم فئة ديمغرافية وازنة، بل بوصفهم فاعلاً استراتيجياً في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي. غير أن الحديث عن الشباب في السياسات العمومية لا ينبغي أن يظل حبيس الشعارات أو الخطابات الرسمية، بل يتطلب بلورة تصور متكامل لحقوق هذه الفئة، وتحديد المداخل الكفيلة بإدماجها، وترتيب الأولويات وفق مقاربة واقعية وناجعة.
إن مفهوم حقوق الشباب في السياسات العمومية يتجاوز مجرد التمكين الاقتصادي أو الإدماج المهني، ليشمل منظومة متكاملة من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية. فالشباب ليسوا مجرد مستفيدين من السياسات، بل يجب أن يكونوا شركاء في صياغتها وتنفيذها وتقييمها. ومن هذا المنطلق، فإن أي تصور جاد لحقوق الشباب يقتضي الاعتراف بهم كفاعلين مؤثرين في المجال العمومي، لا كفئة هامشية أو موضوع للوصاية.
غير أن هذا التصور النظري يصطدم بعدة إكراهات على مستوى التنزيل العملي. فالكثير من السياسات العمومية الموجهة للشباب تعاني من ضعف الالتقائية، وغياب التنسيق بين مختلف القطاعات، فضلاً عن محدودية الموارد المالية والبشرية المخصصة لها. كما أن غياب رؤية استراتيجية موحدة يجعل من هذه السياسات مجرد تدخلات ظرفية تفتقر إلى الاستمرارية والنجاعة.
في هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مداخل متعددة ومتكاملة لضمان تفعيل حقوق الشباب. أول هذه المداخل هو المدخل الحقوقي، الذي يقوم على اعتبار الشباب أصحاب حقوق وليسوا مجرد مستفيدين. هذا المدخل يفرض على الدولة التزامات واضحة في مجال حماية هذه الحقوق وتعزيزها، وفق ما تنص عليه الدساتير والمواثيق الدولية.
أما المدخل الثاني، فيتمثل في المدخل التشاركي، الذي يقتضي إشراك الشباب في مختلف مراحل إعداد السياسات العمومية. فالديمقراطية التشاركية ليست ترفاً مؤسساتياً، بل ضرورة لضمان فعالية السياسات وملاءمتها لانتظارات الفئات المستهدفة. إن تمكين الشباب من آليات المشاركة، سواء عبر المجالس الاستشارية أو المنصات الرقمية أو المجتمع المدني، يعد خطوة أساسية نحو بناء ثقة متبادلة بين الدولة وهذه الفئة.
المدخل الثالث يتمثل في المدخل التنموي، الذي يربط بين حقوق الشباب ومشاريع التنمية الشاملة. فتمكين الشباب اقتصادياً عبر خلق فرص الشغل، ودعم المقاولة، وتيسير الولوج إلى التمويل، يعد مدخلاً أساسياً لتحقيق الإدماج الاجتماعي. غير أن هذا التمكين يجب أن يكون مصحوباً بسياسات تعليمية وتكوينية قادرة على تأهيل الشباب لمتطلبات سوق الشغل.
وفي هذا الإطار، يبرز التعليم كأولوية قصوى في أي سياسة موجهة للشباب. فإصلاح المنظومة التعليمية لا ينبغي أن يقتصر على تحسين المؤشرات الكمية، بل يجب أن يركز على جودة التعلمات، وربطها بحاجيات الاقتصاد الوطني. كما أن التكوين المهني يجب أن يستعيد مكانته كخيار استراتيجي، وليس كمسار ثانوي.
إلى جانب ذلك، تشكل الصحة النفسية والجسدية للشباب أحد التحديات الكبرى التي تستدعي تدخلات عاجلة. فارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وانتشار بعض السلوكيات الخطرة، يعكس هشاشة البنيات الداعمة لهذه الفئة. لذلك، فإن إدماج البعد الصحي في السياسات العمومية الموجهة للشباب يعد ضرورة لا يمكن تجاهلها.
كما أن الثقافة والرياضة تلعبان دوراً محورياً في بناء شخصية الشباب وتعزيز اندماجهم المجتمعي. غير أن ضعف البنيات التحتية، وقلة الفضاءات المخصصة لهذه الأنشطة، يحد من إمكانية استفادة الشباب منها. ومن هنا، فإن الاستثمار في هذه المجالات يجب أن يكون ضمن أولويات السياسات العمومية.
ولا يمكن الحديث عن حقوق الشباب دون التطرق إلى مسألة العدالة المجالية. فالفوارق بين المجالين الحضري والقروي، وبين الجهات، تؤثر بشكل مباشر على فرص الشباب في الولوج إلى الخدمات الأساسية. لذلك، فإن تحقيق الإنصاف المجالي يعد شرطاً أساسياً لضمان تكافؤ الفرص.
في نفس السياق، تطرح مسألة الثقة بين الشباب والمؤسسات كأحد أبرز التحديات. فالعزوف السياسي، وضعف المشاركة الانتخابية، يعكسان أزمة ثقة عميقة. ولتجاوز هذه الأزمة، يجب العمل على تجديد النخب، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن بناء سياسات عمومية فعالة في مجال الشباب يتطلب أيضاً تطوير آليات التتبع والتقييم. فغياب مؤشرات دقيقة، ونقص المعطيات الإحصائية، يجعل من الصعب قياس أثر هذه السياسات. لذلك، فإن اعتماد حكامة قائمة على النتائج يعد مدخلاً أساسياً لتحسين الأداء العمومي.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الأولويات في مجال حقوق الشباب تتمثل في: ضمان الحق في التعليم الجيد، تعزيز فرص الشغل، تمكين الشباب من المشاركة السياسية، تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية، ودعم الأنشطة الثقافية والرياضية. غير أن تحقيق هذه الأولويات يظل رهيناً بإرادة سياسية حقيقية، وقدرة مؤسساتية على التنزيل.
ختاماً، إن الحديث عن حقوق الشباب في السياسات العمومية ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل هو رهان استراتيجي لمستقبل المجتمعات. فالشباب ليسوا فقط مستقبل الأمة، بل هم حاضرها أيضاً. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في هذه الفئة يجب أن يكون في صلب كل مشروع تنموي، بعيداً عن المقاربات الظرفية أو الحسابات الضيقة.

