الوساطة المرفقية ورهان الإنصاف: حين يعجز القانون عن احتضان الإنسان

الوساطة المرفقية ورهان الإنصاف: حين يعجز القانون عن احتضان الإنسان
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في قلب الدولة الحديثة، حيث يُفترض أن يسود القانون باعتباره التعبير الأسمى عن الإرادة العامة، تبرز مفارقة فلسفية عميقة: كيف يمكن لقاعدة قانونية عامة ومجردة أن تُحقق الإنصاف في حالات إنسانية خاصة ومتفردة؟ وكيف يمكن للعدالة، وهي قيمة أخلاقية قبل أن تكون تقنية قانونية، أن تتحقق في ظل صرامة النصوص وجمود المساطر؟ أليس في هذا التوتر ما يكشف حدود القانون ذاته؟
لقد اعتبر أرسطو أن العدالة نوعان: عدالة قانونية تقوم على تطبيق النصوص، وعدالة إنصافية (Equity) تتجاوز حرفية القانون نحو روحه، لتدارك ما قد ينتج عن عموميته من ظلم. فالقاعدة القانونية، بطبيعتها، لا تستطيع أن تتوقع كل الحالات، لأنها تُصاغ بشكل مجرد، بينما الحياة الإنسانية مليئة بالاستثناءات والتعقيدات. من هنا، تصبح الحاجة إلى الإنصاف ضرورة، لا كبديل عن القانون، بل كمكمل له.
أما أفلاطون، فقد ربط العدالة بفكرة الانسجام، حيث يؤدي كل فرد وظيفته داخل المجتمع بشكل متوازن. لكن ماذا يحدث حين تختل العلاقة بين المواطن والإدارة؟ حين يشعر الفرد أن المرفق العمومي، بدل أن يكون أداة لخدمته، أصبح مصدرًا للظلم أو الإقصاء؟ هنا، لا يكفي الحديث عن القوانين، بل عن إعادة بناء الثقة، وهو ما تشتغل عليه الوساطة المرفقية كآلية لتقريب الإدارة من المواطن.
وفي السياق الإسلامي، قدّم ابن رشد قراءة عميقة للعلاقة بين الشريعة والعقل، مؤكدًا أن العدل لا يتحقق فقط بتطبيق النص، بل بفهم مقاصده. فالإنصاف، في نظره، هو القدرة على تكييف القاعدة مع الواقع، بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة. وهذا ما يجعل الوساطة المرفقية امتدادًا لهذا التصور، حيث لا يُنظر إلى القانون كغاية في ذاته، بل كوسيلة لتحقيق العدالة.
إن الوساطة المرفقية، باعتبارها مؤسسة تُعنى بتلقي شكايات المواطنين ضد الإدارة، تمثل محاولة لإعادة التوازن بين صرامة القانون ومرونة الإنصاف. فهي لا تُلغي القاعدة القانونية، بل تُعيد تأويلها في ضوء الحالات الفردية، وتفتح المجال لحلول توافقية تُراعي البعد الإنساني. لكن، هل يمكن لهذه الوساطة أن تُحقق العدالة في ظل غياب إلزامية قراراتها؟ أم أنها تظل مجرد آلية رمزية لامتصاص الغضب؟
ثم، أليس في لجوء المواطن إلى الوساطة اعتراف ضمني بفشل المساطر الإدارية التقليدية؟ وهل يمكن الحديث عن دولة الحق والقانون، إذا كان المواطن لا يجد إنصافه إلا خارج القضاء؟ أم أن الوساطة تمثل تطورًا طبيعيًا نحو عدالة أكثر إنسانية، تتجاوز منطق الغلبة القانونية إلى منطق التفاهم والتوازن؟
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود القانون، بل في كيفية تطبيقه. فالقانون، حين يُفصل عن الإنسان، يتحول إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلة للإنصاف. وهنا، تبرز أهمية إعادة التفكير في فلسفة التشريع، ليس فقط من حيث الصياغة، بل من حيث المقاصد. فهل نُشرّع من أجل النظام، أم من أجل الإنسان؟
لقد آن الأوان لطرح سؤال جوهري: هل نحتاج إلى مزيد من القوانين، أم إلى مزيد من الحكمة في تطبيقها؟ وهل يمكن للوساطة المرفقية أن تكون جسرًا بين القانون والعدالة، بين النص والواقع، بين الدولة والمواطن؟
في النهاية، لا يمكن للعدالة أن تتحقق إلا إذا شعر بها الإنسان. فالقانون الذي لا يُنصف، وإن كان صحيحًا من حيث الشكل، يظل ناقصًا من حيث الجوهر. والوساطة، في هذا السياق، ليست فقط آلية إدارية، بل هي تعبير عن حاجة مجتمعية عميقة إلى الاعتراف، والكرامة، والإنصاف.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *